مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

17

تفسير مقتنيات الدرر

ومقابلة الإحسان العظيم بالإساءة الموجبة للفضيحة العامّة والعار ، غاية في القبح خصوصا الصبيّ إذا تربّى في حجر إنسان وهو مكفيّ المؤونة مصون العرض من أوّل صباه إلى زمان شبابه وكمال قوّته ، فإقدام مثل هذا الإنسان على مثل هذا القصد السوء من أقبح أنواع الإساءة إلى ذلك المنعم ، ومثل هذا المعصية لو نسبوها إلى أفسق خلق اللَّه وأبعدهم عن كلّ خير لاستنكف منه فكيف يجوز إسنادها إلى الرسول عليه السّلام المؤيّد بالمعجزات القاهرة الباهرة ؟ ثمّ إنّه تعالى قال في عين هذه الواقعة : « كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْه ُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ » وذلك يدلّ على أنّ ماهيّة السوء والفحشاء مصروفة عنه ولا شكّ أنّ هذه النسبة أعظم أنواع السوء وأفحش أقسام الفحشاء فكيف يليق بربّ العالمين أن يشهد في عين هذه الواقعة بكونه بريئا من السوء مع أنّه عليه السّلام قد أتى بأعظم أنواع السوء ؟ ولو فرضنا أنّ الآية لا تدلّ على نفي هذه المعصية عنه إلَّا أنّه لا شكّ أنّها تفيد المدح العظيم والثناء البالغ فلا يليق بحكمة اللَّه أن يحكي عن إنسان مقدم على مثل هذا الفعل الشنيع ، ثمّ إنّه تعالى يمدحه ويثني عليه بأعظم المدائح والأثنية عقيب أن حكى عنه ذلك القبيح ، وإنّ ذلك يستنكر جدّا مثل ما إذا حكى السلطان عن بعض عبيده أقبح الذنوب ، ثمّ يذكره بأبلغ المدح . على أنّ الأنبياء متى ما صدرت منهم زلَّة استعظموا ذلك وأتبعوها بإظهار الندامة والتوبة ، ولو كان يوسف أقدم على مثل هذا الأمر لكان من المحال أن لا يتبعها بالتوبة والاستغفار ولو أتى بالتوبة لحكى اللَّه تعالى عنه إتيانه بها كما في سائر المواضع فحيث لم يوجد شيء من ذلك علمنا أنّه ما صدر عنه في هذه الواقعة ذنب ولا معصية . الدليل الرابع أنّ كلّ من كان له تعلَّق بتلك الواقعة فقد شهد ببراءة يوسف من المعصية ، والَّذين لهم تعلَّق بهذه الواقعة يوسف وتلك المرأة وزوجها والنسوة والشهود وربّ العالمين وإبليس والكلّ بيّنوا براءة يوسف ، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يبقى للمسلم توقّف في هذا الباب ؟ أمّا بيان أنّ يوسف ادّعى البراءة عن الذنب فهو قوله : « هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي »