مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

6

تفسير مقتنيات الدرر

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 115 إلى 122 ] قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ( 115 ) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ( 116 ) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ ( 117 ) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 118 ) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ ( 119 ) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ ( 120 ) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 121 ) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ ( 122 ) قال علماء النحو في باب إمّا وأمّا : إذا كنت آمرا أو ناهيا أو مخبرا فهي مفتوحة ، وإذا كنت مشترطا أو شاكّا أو مخيّرا فهي مكسورة تقول في المفتوحة : أمّا اللَّه فاعبدوه وأمّا الخمر فلا تشربوها ، وفي المكسورة فتقول إذا كنت مشترطا : فإمّا تثقفنّهم في الحرب فشرّد بهم ، وتقول في الشكّ : لا أدري من قام إمّا زيد أو عمرو ، وتقول في التخيّر : لي بالكوفة دار فإمّا أن أسكنها وإمّا أن أبيعها . قال السحرة لموسى : اختر أن تلقي أو نلقي ، فرزقهم الإيمان ببركة رعاية الأدب . ويتبيّن من الكلام أنّ القوم كان رغبتهم في الإلقاء ابتداء لأنّهم ذكروا الضمير المتّصل وأكّدوه بالمنفصل . فلمّا رأى موسى رغبتهم في الإلقاء قال : ألقوا ما أنتم ملقون فلو قيل : إنّ أمر موسى إيّاهم بالإلقاء مع أنّ هذا الفعل معارضة للمعجزة وهو حرام لأنّ موسى علم أنّهم يفعلون وإنّما التخيّر في التقديم والتأخير ، وأنّه عليه السّلام يريد إبطالهم ما يكون بالسحر وما كان يتحقّق هذا الإبطال إلَّا بالإلقاء فأذن لهم بالتقديم ثقة بما وعده اللَّه وهو كمن يريد سماع شبهة منهم ليجيب عنها فكذا هاهنا ، وكان عملهم مجرّد التمويه ولو كان له حقيقة ثابته لما قيل : * ( [ فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ ] ) * ولم يقل : سحروا قلوب الناس فقلَّبوا الأعين عن صحّة إدراكها وقد أتوا بالحبال والعصيّ ولطخوها بالزيبق وجعلوا الزيبق في دواخل العصيّ فلمّا أثّر تسخين الشمس فيها كقمر ابن المقفّع تحرّكت والتوى بعضها ببعض والناس تخيّلوا أنّها تتحرّك باختيارها وقدرتها . * ( [ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ ] ) * قيل : السين زائدة ، قال الزجّاج : ليست بزائدة بل إنّ السحرة بعثوا جماعة من الناس ينادون عند إلقاء ذلك : أيّها الناس احذروا وهذا هو الاسترهاب