مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

52

تفسير مقتنيات الدرر

وقيل : إنّه صلى اللَّه عليه وآله عند نزول الوحي تغشاه حالة عجيبة يتغيّر وجهه ويصفرّ لونه ويعرض له حالة شبيهة بالغشي فالجهّال كانوا يقولون : إنّ به جنونا فاللَّه يقول : إنّهم لا يتأمّلون أنّ هذا النبيّ الحسن الخلق ، مرضيّ الطريقة ، طيّب العشرة ، نقيّ السيرة ، مواظبا على المكارم كيف يتصوّرون في حالة الجنون ؟ ولمّا كان شأنه الدعوة إلى الدين كان نذيرا مبينا لهم أمرهم . ولمّا كان أمر النبوّة متفرّعا على تقدير دلائل التوحيد عقّبه بذكر ما يدلّ على التوحيد قوله : * ( [ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ ] ) * . ثمّ قال : * ( [ وَما خَلَقَ اللَّه ُ مِنْ شَيْءٍ ] ) * المقصود أنّ دلائل التوحيد غير مقصورة على السماوات والأرض ، بل كلّ ذرّة من ذرّات الوجود من عالم الأجسام والأرواح شاهد معرفته وبرهان باهر ودليل قاهر . وذلك لأنّ وقوع كلّ ذرّة من الذرّات بحيّز معيّن مع أنّ الأحياز غير متناهية كما أنّ الأجسام غير متناهية يدلّ على وجود محيّز ومخصّص وهو اللَّه . ولمّا قرّر هذه الدقيقة أردفه بما يوجب الترغيب في الإتيان بالنظر والتفكّر فقال : * ( [ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ] ) * وتقديره : وإنّه عسى ، والضمير ضمير الشأن والمعنى : لعلّ آجالهم قربت فهلكوا على الكفر وإذا كان هذا الاحتمال قائما فيوجب على العاقل المسارعة إلى هذه الفكرة وتخليص النفس من هذا الخوف الشديد . ثمّ قال سبحانه : * ( [ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ ] ) * بعد هذا القرآن وهذه الدلائل * ( [ يُؤْمِنُونَ ] ) * ؟ والآية تدلّ على حدوث القرآن ، ولفظ الحديث يفيد من جهة اللَّغة ومن جهة الاصطلاح والعادة حدوثه عن قرب يقال : إنّ هذا الشيء حديث وليس بعتيق فيجعلون الحديث ضدّ العتيق الَّذي طال زمانه وزمان وجوده . قوله : * ( [ مَنْ يُضْلِلِ اللَّه ُ فَلا هادِيَ لَه ُ ] ) * عاد إلى ذكر المكذّبين الضالَّين . المعنى : من اختار الضلالة على الهدى بسوء اختياره وأبقاه اللَّه على ضلالته وخلَّى بينه وبين اختياره فلا هادي له ، ويدعهم في عمههم وتحيّرهم . والعمه في القلب كالعمى في البصر . وإذا قرئ بالنّون فجملة مستأنفة .