مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

34

تفسير مقتنيات الدرر

على العرب لا إلى بني إسرائيل . وهذا الكلام منهم بديهيّ البطلان لأنّ الَّذي عندهم مقبول الرسالة على العرب بزعمهم لا يمكن أن يكذب وهو يقول في كتابه : « إِنِّي رَسُولُ اللَّه ِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً » فإمّا أن يكون لا يقبلون نبوّته مطلقا ، وإمّا أن يكون يصدّقونه بما يقول . وتمسّك جمع من العلماء من أنّ أحدا غيره من الأنبياء ما كان مبعوثا إلى جميع الخلق لقوله صلى اللَّه عليه وآله : أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد قبلي : أرسلت إلى الأحمر والأسود ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، ونصرت بالرعب على عدوّي يرعب منّي مسيرة شهر ، وأطعمت الغنيمة دون من قبلي ، وقيل لي : سل تعطه فاختبأتها شفاعة لأمّتي . ولو كان نبيّ رسالته عامّة على قول مثل نوح حين نزل من السّفينة فإنّ جميع الناس ذلك اليوم هم الَّذين معه في السفينة ، على أنّ رسالة محمّد على الخلق أجمعين من الملك والجنّ ، بل الجمادات مأمورة بتصديق نبوّته صلى اللَّه عليه وآله في عالم الجماديّة ، وما كان موسى رسولا على الملائكة والجنّ فإذا لا يساويه أحد من الأنبياء في الاختصاص . قوله : * ( [ الَّذِي لَه ُ مُلْكُ السَّماواتِ ] ) * ومن المعلوم أنّ دعوى النبوّة لا تظهر فائدتها ولا تتمّ إلَّا بإثبات أنّ للعالم إلها حيّا قادرا عالما فذلك قوله : « الَّذِي لَه ُ مُلْكُ السَّماواتِ » لأنّ أجسام السماوات تدلّ على افتقارها إلى الصانع المختار ، وهذا هو الأصل الأوّل . وأصل ثان : هو أنّ إله العالم واحد منزّه عن الشريك لأنّ بتقدير أن يكون للعالم إلهان وأرسل أحد الإلهين رسولا إلى الخلق فلعلّ هذا الإنسان الَّذي يدعوه الرسالة إلى طاعته واتّباعه ما كان مخلوقا للإله الَّذي أرسل هذا الرسول بل هو مخلوق للإله الآخر ، وعلى هذا التقدير هل يطيع هذا الإنسان لهذا الرسول أم يخالفه ؟ أمّا إجابة الطاعة له ظلم لأنّه مخلوق الإله الثاني وهو يجب عليه إطاعة ربّه وخالقه فلا بدّ أن يخالفه فهذا الرسول رسالته لغو وتصرّف في ملك الغير ، ثمّ يتحقّق الفساد بين العالم لأنّ الإله الأوّل مثلا يحكم ويأمر والإله الثاني يحكم ويأمر فإن كان حكم الثاني عين حكم الأوّل فحكم الثاني لغو ، وإن كان حكم الثاني نقيض حكم الأوّل فيقع الخلف بين التكليفين والمكلَّفين وما نعني بالفساد إلَّا هذا فثبت أنّ الإله واحد .