مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
319
تفسير مقتنيات الدرر
والحاصل أنّه تعالى لمّا نهاه عن ذلك السؤال بقوله : « فلا تسألن ما ليس لك به علم » قال نوح : « ربّ إنّي أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به وإلَّا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين » فقال نوح : عند ذلك قبلت يا ربّ هذا التكليف ولا أعود إليه إلَّا أنّي لا أقدر على الاحتراز منه إلَّا بإعانتك وهدايتك فقال : في الابتداء : إنّي أعوذ بك أن أسألك في المستقبل ما ليس لي به علم أي لا أعود لمثل هذا ، ثمّ اشتغل بالاعتذار عمّا مضى فقال : « وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ » وقد حصلت حقيقة التوبة من غير ذنب ، وهذا معنى : حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين . ومن غيرنا من نسب هذه الزلَّة إلى نوح وحاشا منه لم ينصبه إلى معصية بل قال : إنّه أخطأ في اجتهاده حيث ظنّ أنّ ابنه مؤمن كما أنّهم قالوا : إنّ آدم أخطأ في ظنّه بإبليس أنّه لم يقسم على اللَّه كذبا . قوله : [ سورة هود ( 11 ) : آية 48 ] قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ ( 48 ) ثمّ بعد ما استقرّت السفينة على الجبل بعد خراب الدنيا بالطوفان امر نوح وقومه بالخروج من السفينة والهبوط من الجبل إلى الأرض المستوية ووعده اللَّه بالسلامة والبركة لأنّ ذلك الغرق لمّا كان عامّا في جميع الأرض وأنّه ما كان في الدنيا شيء ينتفع به نوح بشّره اللَّه بالبركة والسلامة حتّى يستقرّ قلبه ، ويعلم حصول السلامة من الآفات . و « البركة » هي الثبات والدوام مأخوذ من بروك الإبل ومنه البركة لثبوت الماء فيها . ومن البركة الحاصلة لنوح أنّ اللَّه جعله آدم الأصغر وأبا البشر ؟ لأنّ الخلق كلَّهم من نسله لأنّه على قول من قال : إنّه ما كان في السفينة من البشر غير أولاده قالوا : لم يبق منهم ذرّيّة وأنّ من بقي من أولاد نوح والدليل عليه قوله : « وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَه ُ هُمُ الْباقِينَ » « 1 » فهذا هو المراد من البركات . قوله : * ( [ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ ] ) * أي الأمم الَّذين كانوا معه في السفينة . و « الامّة » الجماعة المتّفقة على ملَّة واحدة . وقيل : معناه : يعني بالأمم الَّذين معه سائر الحيوان الَّذين
--> ( 1 ) الصافات : 77 .