مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

309

تفسير مقتنيات الدرر

قوله : * ( [ وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي ] ) * هذا تمام الحكاية عمّا قاله نوح لقومه أي إنّي لا أرفع نفسي فوق قدرها فأدّعي أنّ عندي مقدورات اللَّه فأفعل ما أشاء وأعطي من أشاء وأمنع من أشاء ومفاتيح اللَّه في الرزق وخزائنه عنده ولا أدّعي علم الغيب حتّى أدلَّكم على منافعكم ومضارّكم . ولا أقول إنّي ملك فأخبركم بخبر السّماء من قبل نفسي ، وإنّما أنا بشر لا أعلم الأشياء إلَّا بتعليم اللَّه . ثمّ أكّد عليه السّلام بيانه بقوله : * ( [ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ ] ) * وتستقلَّونهم وتستخفّونهم وتنظرون إليهم بعين الحقارة والعيب لما ترونهم من الفقر : لا يعطيهم اللَّه في المستقبل خيرا * ( [ اللَّه ُ أَعْلَمُ بِما فِي ] ) * قلوبهم من الإخلاص إن قلت منهم ما لم أعلم وطردتهم * ( [ إِذاً ] ) * . أنا * ( [ لَمِنَ الظَّالِمِينَ ] ) * . قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 32 إلى 34 ] قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 32 ) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِه ِ اللَّه ُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 33 ) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّه ُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْه ِ تُرْجَعُونَ ( 34 ) لمّا جاوب الكفّار بهذه الآية السابقة وصفوه بكثرة المجادلة وحملوا كلامه على الجدل . والمجادلة المقابلة بما يقبل الخصم من مذهبه بحجّة أو شبهة ، والجدل شدّة القتل . والفرق بين الحجاج والجدال أنّ المطلوب بالحجاج ظهور الحجّة ، والمطلوب بالجدال الرجوع عن المذهب . وبالجملة * ( [ قالُوا يا نُوحُ ] ) * حاججتنا وأكثرت الجدل فأتنا بما تخوّفنا من العذاب فلسنا نؤمن بك إن كنت صادقا فيما تدّعي . * ( [ قالَ ] ) * نوح : لا يأتي بالعذاب إلَّا اللَّه متى شاء ، فإن شاء عجّل وإن شاء أخّر وأنتم لا تفوتونه بالهرب والتأخير . وإذ أراد اللَّه عذابكم وأن يعاقبكم لكفركم ، ويجنّبكم من رحمته بسبب سوء اختياركم ، ويحرّمكم ثوابه ، وأغواكم لا ينفعكم نصحي إذا أردت أن أنصح ، لأنّكم عامدون على العناد والإنكار .