مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
305
تفسير مقتنيات الدرر
نغالي اللَّحم للأضياف نيّا ونبذله إذا نضج القدور أراد : نغالي باللحم ، فحينئذ « ما » مصدريّة وليست بنافية . وثانيها أنّه لاستثقالهم استماع آيات اللَّه وكراهتهم تذكّر هاجروا مجرى من لا يستطيع السمع وكذلك أبصارهم لم يبصروا كقول الأعشى : ودّع هريرة إنّ الركب مرتحل وهل تطيق وداعا أيّها الرجل ؟ وقد علمنا أنّ الأعشى كان يقدر على الوداع ، وإنّما نفى الطاقة عن نفسه من حيث الكراهة . وثالثها : إنّما عنى بذلك آلهتهم وأوثانهم أي أولئك الكفّار الموصوفون العابدون لآلهتهم إنّ آلهتهم جمادات ليس لها سمع ولا بصر ، وفيه تعسّف . ورابعها أنّ « ما » ليست للنفي بل يجري مجرى قولهم : لأواصلنّك ما لاح نجم والمعنى أنّهم معذّبون ما داموا أحياء . [ أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ] من حيث فعلوا ما استحقّوا به العذاب فهلكوا فذلك خسران النفس ، فأخذوا الخسيس من الدنيا وبدّلوا الشريف [ وَضَلَّ ] وبطل مفترياتهم وأكاذيبهم * ( [ لا جَرَمَ ] ) * من عمل هذه التجارة الخاسرة * ( [ هُمُ الأَخْسَرُونَ ] ) * وخسارتهم أضرّ من كلّ تجارة . قال الزجّاج : كلمة « لا جرم » كلمة « لا » حرف نفي و « جرم » معناه كسب فمعناه لا كسب لهم في النفع بل هذا الكسب خسران الدنيا والآخرة فيؤول المعنى من كلمة « لا جرم » أنّه حقّ كفرهم وقوع العذاب والخسران بهم . قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : آية 23 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 23 ) لمّا شرح خسارة الكفّار وشقاوتهم بيّن في هذه الآية سعادة المؤمنين . و « الإخبات » مأخوذ من الخبت وهو الأرض المطمئنّة كناية عن من يطمئنّ إلى ربّه ويخضع له أي المؤمنون المطمئنّون إلى اللَّه الخاضعون ، ويعبدون اللَّه وقلوبهم مطمئنّة بذكر اللَّه والخضوع له ، فارغة عن الالتفات إلى ما سوى اللَّه ، وتيقّنوا بصدق ما وعدهم اللَّه .