مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
259
تفسير مقتنيات الدرر
* ( [ وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِه ِ ] ) * والافتداء إيقاع الشيء بدل غيره لدفع المكروه أي لو أنّ لهم جميع ما في الأرض ويعطون بدل عذابهم لا يمكن ذلك لأنّه في ذلك الوقت لا يملك شيئا كما قال سبحانه : « وَكُلُّهُمْ آتِيه ِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً » « 1 » وبتقدير أن يملك خزائن الأرض لا ينفعه الفداء لقوله تعالى : « وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ » « 2 » . وقال في صفة هذا اليوم : « لا بَيْعٌ فِيه ِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ » « 3 » . قوله : * ( [ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ ] ) * وجاء بصيغة الماضي لتحقيق وقوعه . و « الإسرار » معناه الإخفاء والإظهار ضدّان فإذا كان بمعنى الإخفاء فظاهر ، وأمّا بمعنى الإظهار من قولهم : سرّ الشيء وأسرّه إذا أظهره فقيل : المراد إخفاء تلك الندامة لأنّهم لمّا رأوا العذاب الشديد صاروا مبهوتين متحيّرين فلم يطيقوا عنده بكاء ولا صراخا سوى إسرار الندم كحالة من يذهب به إلى الصلب فإنّه يبقى مدهوشا متحيّرا لا ينطق بكلمة ، أو لأنّهم أسرّوا الندامة من سفلتهم وأتباعهم حياء منهم وخوفا توبيخهم . فإن قيل : إنّ مهابة ذلك الموقف يمنع الإنسان عن مثل هذه الأمور . قيل : إنّ ذلك قبل الورود في النار وإلَّا فبعد الورود استصرخوا وأظهروا لقوله تعالى : « قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا » « 4 » . وأمّا من قال : المراد بالإسرار الإظهار فظاهر لأنّهم إنّما أخفوا الندامة في الدنيا إمّا لأجل رئاستهم وميلهم أو أنّ الندامة ما حصلت لهم حتى يخفوا أو يظهروا ولكن لمّا رأوا العذاب وتقطَّعت بهم الأسباب فحينئذ أظهروا الندامة . قوله : * ( [ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ] ) * والعدل قيل : قضي بين المؤمنين والكافرين . وقيل : بين الرؤساء والأتباع من أهل الكفر لأنّهم وإن اشتركوا في العذاب لكن لا بدّ أن يقضى بينهم بالعدل لأنّه لا يمتنع أن يكون قد ظلم بعضهم بعضا في الدنيا فيكون في ذلك القضاء
--> ( 1 ) مريم : 96 . ( 2 ) البقرة : 45 . ( 3 ) « : 255 . ( 4 ) المؤمنون : 108 .