مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
251
تفسير مقتنيات الدرر
قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 42 إلى 44 ] وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ( 42 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ ( 43 ) إِنَّ اللَّه َ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 44 ) في الآية قسّم اللَّه الكفّار على قسمين : منهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وفي هذا القسم ممّن لا يؤمن على قسمين : منهم من يكون على غاية البغض والعداوة للرسول ، وهو في نهاية النفرة عن قبول دينه ، ومنهم من لا يكون كذلك . فوصف القسم الأوّل فقال : * ( [ وَمِنْهُمْ مَنْ ] ) * يستمع كلامك مع أنّه كالأصمّ من حيث إنّه لا ينتفع من الاستماع بذلك الكلام فإنّ الإنسان إذا قوي بغضه لإنسان آخر وعظمت نفرته عنه ، صارت نفسه متوجّهة إلى طلب مقابح كلامه ، معرضة عن جميع جهات محاسن الكلام فالصمّ في الاذن معنى ينافي حصول إدراك الصوت فكذلك حصول هذا البغض الشديد كالمنافي للوقوف للمحاسن لذلك الكلام ، والعمى في العين معنى ينافي حصول إدراك الصورة ، فكذلك العداوة ينافي وقوف الإنسان على محاسن من يعاديه والوقوف على ما آتاه اللَّه من الفضائل . فبيّن تعالى أنّ في أولئك الكفّار من بلغت حالته في البغض والعداوة إلى هذا الحدّ فكما أنّه لا يمكن جعل الأصمّ سميعا ، ولا جعل الأعمى بصيرا فكذلك لا يمكن جعل العدوّ البالغ في العداوة إلى هذا الحدّ صدّيقا تابعا للرسول صلى اللَّه عليه وآله والمقصود تسلية الرسول بأنّ هذه الطبقة من الكفّار قد بلغوا في مرض الجهل إلى حيث لا يقبلون العلاج ، والطبيب إذا رأى مريضا لا يقبل العلاج أعرض عنه فلا تستوحش أيّها النبيّ . وهاهنا مسألة : احتجّ جماعة بهذه الآية على أنّ السمع أشرف من البصر قالوا : إنّ اللَّه قرن ذهاب السمع بذهاب العقل ولم يقترن بذهاب النظر إلَّا ذهاب البصر فوجب أن يكون السمع أفضل من البصر لأنّ العقل أشرف الأشياء للإنسان . ثمّ قالوا : إنّ اللَّه كلَّما ذكر السمع والبصر فإنّه قدّم ذكر السمع على البصر ، وكذلك إنّ العمى قد وقع على الأنبياء وأمّا الصمم فغير جائز عليهم لأنّه يخلّ بأداء الرسالة من حيث إنّه إذا لم يسمع كلام السائلين تعذّر عليه الجواب فعجز عن تبليغ رسالته وشرائع اللَّه على أنّ القوّة السامعة تدرك المسموعات من جميع الجوانب والباصرة لا تدرك المرئيّ