مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
229
تفسير مقتنيات الدرر
قلنا : إنّ المراد بقوله : « مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّه ِ كَذِباً » من كفر باللَّه وقد دخل فيه من ادّعى الربوبيّة وغيره من أنواع الكفر والكفّار فكأنّه قال : لا أحد أظلم من الكفّار . ونظم الآية وتعليقها بما قبلها واضح . قوله : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 18 ] وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه ِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّه ِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّه َ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحانَه ُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 18 ) لمّا التمسوا من النبيّ صلى اللَّه عليه وآله تبديل القران لأنّ فيه شتم آلهتهم ذكر اللَّه في هذه الآية ما يدلّ على قبح عبادة الأصنام وحكى عنهم أمرين : الأوّل أنّهم يعبدونها . والثاني أنّهم يقولون : هؤلاء شفعاؤنا عند اللَّه أمّا الأوّل فقد بيّن اللَّه ونبّه اللَّه على فساده بقوله : « ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ » إن عبدوها وإن تركوها لا يضرّهم بشيء وإذا كان العابد أنفع من المعبود فالعبادة غلط لأنّ العبادة لا يليق إلَّا للمنعم وهؤلاء لا يضرّ ولا ينفع . وأمّا أمر الثاني وهو الشفاعة فاعلم أنّ من الناس من قال : إنّ أولئك الكفّار توهّموا أنّ عبادة الأصنام أشدّ في تعظيم اللَّه من عبادة اللَّه سبحانه فقالوا : ليست لنا أهليّة أن نشتغل بعبادة اللَّه بل نحن نشتغل بعبادة هذه الأصنام وإنّها رابطة وواسطة وشفعاء لنا عند اللَّه . ثمّ اختلفوا في أنّهم كيف قالوا في الأصنام : إنّها شفعاءنا وذكروا فيه أقوالا كثيرة فأحدها أنّهم اعتقدوا في أنّ المتولَّي لكلّ إقليم من أقاليم العالم روح معيّن من أرواح عالم الأفلاك فعيّنوا لذلك الروح صنما معيّنا واشتغلوا بعبادة ذلك الصنم ومقصودهم عبادة ذلك الروح ثمّ اعتقدوا أنّ ذلك الروح يكون عبدا للإله الأعظم ومشتغلا بعبوديّته . وثاني الأقوال أنّهم كانوا يعبدون الكواكب وزعموا أنّ الكواكب هي الَّتي لها أهليّة عبوديّة اللَّه ، ثمّ إنّهم لمّا رأوا أنّ الكواكب تطلع وتغرب وضعوا لها أصناما بعينه واشتغلوا بعبادتها ومقصودهم توجيه العبادة إلى الكواكب . وثالثها أنّهم وضعوا طلسمات معيّنة على تلك الأصنام والأوثان ثمّ تقرّبوا إليها كما يفعله أصحاب الطلسمات .