مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
213
تفسير مقتنيات الدرر
يحصل الضدّ بعد حصول الضدّ وهذا غير مستنكر من قدرة اللَّه كما أنّه نجد النار ومادّتها مع حرّها ويبسها توجد وتتولَّد من الشجر الأخضر مع برده ورطوبته فحصل الضدّ من الضدّ فقال سبحانه : « الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْه ُ تُوقِدُونَ » « 1 » . والامّة فريقان منهم من يقول : إنّ المعاد واجب على اللَّه عقلا ، وفريق يقول : لا يجب شيء عليه أصلا . والقول الثاني ضعيف جدّا وعلى القول بالوجوب قالوا : يجب أن يكون إله العالم رحيما عادلا منزّها عن الإيلام والإضرار إلَّا لمنافع أجلّ وأعظم منها ومن الواجب في حكمته وعدله سبحانه أن يأمرهم بما هو خير لهم وينهاهم عمّا يضرّهم فإنّه لو لم يمنع عن القبائح ولم يرغَّب في الخيرات قدح ذلك في كونه محسنا عادلا ومن المعلوم أنّ الترغيب في الطاعات لا يمكن إلَّا بربط الثواب بفعلها والزجر عن القبائح لا يمكن إلَّا بربط العقاب بفعلها ، وذلك الثواب المرغَّب فيه والعقاب المهدّد به غير حاصل في دار الدنيا فلا بدّ من دار أخرى يحصل هذا الثواب وهذا العقاب وهو المطلوب وهذا هو الدليل الأوّل . قوله : * ( [ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ ] ) * ثم إنّا نرى في هذه الدنيا أنّ أزهد الناس وأعلمهم وأعلمهم مبتلى بأنواع الغموم والأحزان والظلم والابتلاء وأجهلهم وأظلمهم في أعظم اللَّذّات والمسرّات فيحصل القطع بأنّ دار الجزاء يمتنع أن يكون هذه الدار ولا بدّ من دار أخرى ومن حياة أخرى حتّى يتدارك للمحسن والمسيء وأن لا يجعل من كفر به وجحده وظلم الخلق بمنزلة من أطاعه ، ولمّا وجب إظهار هذه التفرقة فحصول هذه التمايز إمّا في دار الدنيا أو في دار الآخرة ، والأوّل باطل فحقّ الثاني ، وثبت أنّه لا بدّ بعد هذه الدار من دار أخرى وهو المراد من قوله تعالى في سورة طه : « إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى » « 2 » وفي سورة ص : « أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ » « 3 » . ثمّ إنّا نشاهد بعقولنا أنّه لو كان لسلطان قادر قاهر جمع من العبيد والحشم وكان
--> ( 1 ) يس : 80 . ( 2 ) الآية : 15 - 16 . ( 3 ) الآية : 27 .