مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
208
تفسير مقتنيات الدرر
إنّ كفّار قريش تعجّبوا من تخصيص اللَّه محمّدا بالرسالة والوحي فأنكر اللَّه عليهم ذلك التعجّب والكفّار بلغوا في الجهالة إلى أن تعجّبوا من كون الإله واحدا كما في قوله : « أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ » « 1 » فإذا كان الحال كذلك فغير بعيد أن يتعجّبوا من تخصيص النبيّ بالوحي والرسالة . وكان أهل مكّة يقولون : إنّ اللَّه ما وجد رسولا إلى خلقه إلَّا يتيم أبي طالب ! فأنكر اللَّه عليهم هذا التعجّب بقوله : * ( [ أَكانَ لِلنَّاسِ ] ) * إلخ ، أي أكان إيحاؤنا إلى رجل من الناس بأن ينذرهم يكون عجبا وليس هذا موضع التعجّب ، وأمر إرسال الرسل أمر ما أخلى اللَّه شيئا من أزمنة وجود المكلَّفين كما قال : « وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ » « 2 » فكيف يتعجّب وقد سبق نظائره ؟ ولو كان تعجّبهم اختصاص محمّد بالوحي أيضا غلط لأنّه تعالى بعث رجلا منهم مسلَّم عندهم بالأمانة والصدق وطهارة النسب وحسن الأخلاق عند العدوّ والصديق وإذا كان فقره موجبا لتعجّبهم فاللَّه أغنى الأغنياء فيغنيه فحينئذ لا وجه لتعجّبهم . ثمّ بيّن الوجه الَّذي لأجله بعث وما الَّذي أوحى إليه أن أخبرهم بالعذاب وخوّفهم به * ( [ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا ] ) * أي عرّفهم ما فيه من الشرف والخلود في نعيم الجنّة على وجه الإلزام لصالح الأعمال وقوله : * ( [ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ ] ) * أي أجرا حسنا ومنزلة رفيعة . وقيل : إنّ المعنى : سبقت لهم الحسنى في الذكر الأوّل . وقيل : تقديم اللَّه إيّاهم في البعث يوم القيامة بيانه : نحن الآخرون السابقون يوم القيامة . * ( [ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ ] ) * يعنون النبيّ ، أي هذا ساحر مظهر للسحر وما أتى به سحر بيّن ، والسحر فعل يخفى فيه وجه الحيلة وإنّما قدّم الإنذار في الآية على التبشير لأنّ التخلية مقدّمة على التحلية وإزالة ما لا ينبغي مقدّم على فعل ما ينبغي . قوله : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 3 إلى 4 ] إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّه ُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِه ِ ذلِكُمُ اللَّه ُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوه ُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ( 3 ) إِلَيْه ِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّه ِ حَقًّا إِنَّه ُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُه ُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ( 4 )
--> ( 1 ) ص : 5 . ( 2 ) الرعد : 109 .