مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

191

تفسير مقتنيات الدرر

يكون الوعد حاصلا لجميع المؤمنين . ويمكن أن يكون « التائبون » مبتدءا وقوله « العابدون ، إلخ » خبرا بعد خبر أي التائبون من الكفر هم الجامعون لهذه الخصال . وبالجملة الصفات التسع : فالصفة الأولى : * ( [ التَّائِبُونَ ] ) * قال ابن عبّاس : المراد التائبون من الكفر والشرك والنفاق . وقال الاصوليّون : التائبون عن كلّ معصية . وهذا أولى لأنّ التوبة أعمّ قد تكون من الكفر وقد تكون من المعصية ، و « التائبون » صيغة عموم محلَّاة بالألف واللَّام فيتناول الكلّ فالتخصيص بالتوبة عن الكفر تحكّم . وحقيقة التوبة إنّما يحصل عند حصول أمور أربعة : أوّلها : احتراق القلب في الحال على صدور تلك المعصية عنه . وثانيها : ندمه على ما مضى . وثالثها : عزمه على الترك في المستقبل . ورابعها أن يكون الحامل له على هذه الأمور الثلاثة طلب رضوان اللَّه وعبوديّته ، فإن كان غرضه منها دفع مذمّة الناس أو سائر الأغراض فهو ليس من التائبين . والصفة الثانية : ثمّ قال : * ( [ الْعابِدُونَ ] ) * والعبادة عبارة عن إتيان فعل مشعر يدلّ على تعظيم اللَّه حسبما قرّره الشارع . قال قتادة والحسن : هم قوم عبدوا اللَّه في السرّاء والضرّاء وأخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم . والصفة الثالثة قوله : * ( [ الْحامِدُونَ ] ) * وهم الَّذين يقومون بحقّ شكر اللَّه على نعمه دينا ودنيا ويجعلون إظهار ذلك عادة لهم واشتغالهم بالتسبيح والتهليل والتحميد وهذه الصفة كانت صفة الملائكة قبل أن يخلق اللَّه الدنيا لأنّه تعالى أخبر عنهم بقوله : « وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ » « 1 » . والصفة الرابعة : * ( [ السَّائِحُونَ ] ) * وفيه أقوال : قال عامّة المفسّرين : هم الصائمون . قال ابن عبّاس : كلّ ما ذكر في القرآن من السياحة فهو الصيام ، قال النبيّ صلى اللَّه عليه وآله : سياحة امّتي الصيام . وقيل : هم الَّذين يديمون الصيام . والمناسبة في المعنى أنّ السائح لمّا كان يسيح في الأرض متعبّدا لا زاد معه كان ممسكا عن الأكل ، والصائم يمسك عن الأكل فلهذه المشابهة سمّي الصائم سائحا . ثمّ إنّ الإنسان إذا امتنع من الأكل والشرب وأمثاله

--> ( 1 ) البقرة : 28 .