مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
188
تفسير مقتنيات الدرر
قبا - بالضدّ في صفاتهم ، وما ذاك إلَّا كونهم مبرّئين عن هذه الصفات فقال سبحانه : * ( [ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَه ُ ] ) * والبنيان مصدر كالغفران والمراد به المبنيّ وإطلاق لفظ المصدر على المفعول مجاز مشهور ، تقول هذا نسج زيد أي منسوجه ، أي من أسّس بناء على تقوى من اللَّه أي للخوف من عقاب اللَّه ورغبة في ثواب اللَّه أكمل وأفضل أم من بنى بناء لداعية الكفر والإضرار بعباد اللَّه ؟ و « الشفا جرف » الشيء وطرفه ، و « الجرف » بسكون الراء وضمّه هو ما إذا سال السيل والجرف الوادي ويبقى على طرف السيل طين واه مشرف على السقوط يهور إذا انصدع واندفع من خلفه وهو ثابت بعد في مكانه يقال : فيه جرف هار هائر فإذا سقط فقد انهار وتهوّر . إذا عرفت هذه الألفاظ فالمعنى أنّ الَّذي بنى بنيان دينه على قاعدة قويّة محكمة وهي تقوى اللَّه ورضوانه ليس كمن بناه وأسّسه على أضعف القواعد وأقلَّها بقاء وهو الباطل والنفاق الَّذي مثله مثل الجرف الهائر على طرف جهنّم ومشرف على السقوط فيها إذا انهار فإنّه متى يسقط فإنّما ينهار في جهنّم بناء الأول واجب الإبقاء وبناء الثاني واجب الهدم . وبالجملة لمّا أمر الرسول بتخريب مسجدهم ظنّوا أنّه إنّما أمر بتخريبه لأجل الحسد فارتفع أمانهم عنه وعظم خوفهم منه صلى اللَّه عليه وآله في كلّ الأوقات وصاروا مرتابين في أنّه هل يتركهم على ما هم عليه أم يأمر بقتلهم ؟ قوله تعالى : * ( [ لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ ] ) * أي لا يزال هدم بنيانهم خوفا وغيظا أثبت في قلوبهم ولا ينفكّ عنهم * ( [ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ ] ) * قرئ معلوما بحذف التاء وقرئ مجهولا أي هذا الحزن والغيظ باق إلَّا أن تقطَّع قلوبهم وتتفرّق أجزاء أجزاء فحينئذ يسلمون عنها ، وإلَّا فما دامت قلوبهم سالمة هذا الريب والحزن باق . ويجوز أن يكون المراد بالتقطَّع على سبيل الحقيقة أي عند قتلهم أو في القبور أو في العذاب من النار يفنى هذا الغيظ . وقرئ على صيغة الخطاب يعني أنت يا محمّد - صلى اللَّه عليه وآله - تقطَّع قلوبهم بالسيف والقتل . وقيل : المراد من الريب الشكّ في أنّ اللَّه هل يغفر تلك المعصية الَّتي هي بناء هذا المسجد أم لا ؟ وقيل : معناه : إلَّا أن يتوبوا توبة تنقطع لها قلوبهم ندما وأسفا على تفريطهم .