مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
150
تفسير مقتنيات الدرر
صيامهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية آيتهم رجل أسود في إحدى ثدييه مثل ثدي المرأة ويخرجون على فترة من الناس . وبالجملة * ( [ وَمِنْهُمْ ] ) * من هؤلاء المنافقين من يعيبك يا محمّد ويطعن عليك في قسمة الصدقات * ( [ فَإِنْ أُعْطُوا ] ) * من تلك الصدقات أقرّوا بالعدل و * ( [ رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها ] ) * يغضبون . قال أبو عبد اللَّه عليه السّلام : أهل هذه الآية ثلثا الناس . * ( [ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّه ُ وَرَسُولُه ُ ] ) * لكان خيرا لهم . وجواب « لو » محذوف ، وحذف الجواب في مثل هذه المواضع أبلغ . والهمّاز واللمّاز أوعده اللَّه الويل . فتأمّل في حسن ترتيب الآية من بيان مراتب العبوديّة ودرجاتها : أوّلها الرضا بما قسم لهم لأنّه حكيم في مصالحه . وثانيها إظهار باللسان بقولهم حسبنا اللَّه . وثالثها الاعتماد والوثوق واليقين بمواعيد اللَّه في الآخرة وهي أولى وأفضل . ورابعها أن يقول : « إِنَّا إِلَى اللَّه ِ راغِبُونَ » أي نحن لا نطلب من الإيمان والطاعة أخذ الأموال وإنّما نطلب الاستغراق في العبوديّة لأنّه قال : « إِنَّا إِلَى اللَّه ِ راغِبُونَ » ولم يقل : إنّا إلى ثواب اللَّه راغبون . روي أنّ عيسى عليه السّلام مرّ بقوم يذكرون اللَّه فقال عيسى عليه السّلام ما الَّذي يحملكم على الذكر ؟ قالوا : الخوف من عقاب اللَّه ، فقال : أصبتم . ثمّ مرّ على قوم آخرين يذكرون اللَّه فقال : ما الَّذي حملكم عليه ؟ فقالوا : الرغبة في ثواب اللَّه فقال : أصبتم . ثمّ مرّ على قوم آخرين فسألهم فقالوا : لا نذكره للخوف من العقاب ولا للرغبة في الثواب بل لإظهار ذلَّة العبوديّة وعزّة الربوبيّة وتشريف القلب بمعرفته ، فقال : عيسى عليه السّلام أنتم المحقّون المحقّقون . قوله تعالى : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 60 ] إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّه ِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّه ِ وَاللَّه ُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 60 ) لمّا لمزوا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله في الصدقات شرح اللَّه لهم مصارف الصدقات والمراد من الصدقات في الآية الزكاة المفروضة أي ليست إلَّا لهؤلاء القوم . قيل : الفرق بين « الفقير » و « المسكين » أنّ الفقير هو المتعفّف الَّذي لا يسأل ، والمسكين الَّذي يسأل .