مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
99
تفسير مقتنيات الدرر
لأنّه كان مع الملائكة مقامع ، وكلَّما ضربوا بها التهبت النار في الأجزاء والأبعاض فذلك قوله : « ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ » . ثمّ قال : * ( [ ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ] ) * من أعمالكم وعقائدكم ، يقال لهم هذا القول ، والقائل إمّا اللَّه أو الملائكة ، أي فعلنا ذلك بسبب تقديمكم الكفر على الإيمان ، وإنّما عبّر باليد مع أنّ الإيمان والكفر أمر متعلَّق بالقلب ، لأنّ اليد مظهر القدرة وآلة كلّ أمر فحسن هذا المجاز فإنّ الإنسان جوهر واحد وهو الفعّال والدرّاك وهو المؤمن وهو الكافر وهو المطيع وهو العاصي ، وهذه الأعضاء آلات له وأدوات له في الفعل فأضيف الفعل في الظاهر إليها لكنّ الجسم أي الأدوات والجوهر أي الإنسان مشتركان في النعيم والجحيم لأنّ ذلك الجوهر لا يتحقّق وجوده الخارجيّ إلَّا بتحقّق وجود الآلات ، والآلات لا تتمكّن من الورود في أمر من الأمور إلَّا بإشارة ذلك الجوهر فهما مشتركان في العمل فحينئذ لا يجوز أن يعذّب أو يتنعّم أحدهما دون الآخر * ( [ وَأَنَّ اللَّه َ لَيْسَ بِظَلَّامٍ ] ) * لعبيده وأنّهم أقدموا على أنفسهم فاستوجبوا العذاب . قوله : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 52 إلى 54 ] كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّه ِ فَأَخَذَهُمُ اللَّه ُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّه َ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 52 ) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّه َ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّه َ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 53 ) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ ( 54 ) « كدأب » خبر لمبتدأ محذوف ، تقديره : دأبهم كدأب وعادة أتباع فرعون في الكفر وكدأب الكافرين من قبلهم بالرسل وبما انزل إليهم ، أو المعنى أنّ عقوبة هؤلاء المشركين في زمانك كعقوبة تلك فأخذهم اللَّه بسبب كفرهم فجوزي هؤلاء في بدر بالقتل والسّبي كما جوزي أولئك بالإغراق . ومعنى الدّأب العادة وإدامة العمل والمواظبة على أمر ، والسّبب في ذلك بأنّ اللَّه لم يك مغيّرا نعمة أنعمها على قوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم لأنّه سبحانه أنعم عليهم بالعقل والقدرة وإزالة الموانع لأن يشتغلوا بما أريد منهم فإذا عكسوا الأمر وصرفوا هذه الأحوال إلى المعصية والكفر ، فقد غيّروا نعمة اللَّه على أنفسهم فلا جرم استحقّوا تبديل النعم بالنقم والمنح بالمحن .