مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
27
تفسير مقتنيات الدرر
قوله : [ ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّه ] من الأحكام والشرائع [ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ] المتعدّون لحدوده الواضعون للشيء في غير موضعه فإن قيل : إنّ الكفر أعظم من الظلم وهو سبحانه هدّدهم بقوله : « فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ » أولا فأيّ فائدة في ذكر الأخفّ بعده ؟ فالجواب أنّ الظالم يطلق على الكافر قال : « والْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ » « 1 » و « إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ » « 2 » وأنّ الكفر من حيث إنّه إنكار لنعمة الربّ فهو كفر ومن حيث إنّه يقتضي إبقاء النفس في العقاب الدائم الشديد فبهذا الاعتبار هو ظلم على النفس ففي الآية الأولى ذكر اللَّه ما يتعلَّق بتقصيره في حقّ الخالق وفي هذه الآية ذكر ما يتعلَّق بالتقصّر في حقّ نفسه . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 46 إلى 47 ] وقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْه مِنَ التَّوْراةِ وآتَيْناه الإِنْجِيلَ فِيه هُدىً ونُورٌ ومُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْه مِنَ التَّوْراةِ وهُدىً ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ( 46 ) ولْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّه فِيه ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّه فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 47 ) لمّا قدّم سبحانه ذكر اليهود أتبعه بذكر النصارى فقال : * ( [ وقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ ] ) * أي وأتبعنا على آثار النبيّين الَّذين أسلموا . يقال : قفّيته إذا تبعته بفلان فتعديته إلى المفعول الثاني بزيادة الباء فإن قيل : فأين المفعول الأوّل ؟ قلنا : هو محذوف والظرف وهو قوله : « عَلى آثارِهِمْ » سادّ مسدّه . والضمير في آثارهم للنبيّين في قوله : « يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا » قوله : * ( [ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْه مِنَ التَّوْراةِ ] ) * وصف عيسى بكونه مصدّقا لما بين يديه وإنّما يكون كذلك إذا كان عمله على شريعة التوراة ومعلوم أنّه لم يكن كذلك فإنّ شريعة عيسى كانت مغايرة لشريعة موسى فلذلك قال في آخر هذه الآية : « ولْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّه فِيه » فكيف طريق الجمع ؟ فمعنى كون عيسى مصدّقا للتوراة أنّه أقرّ بأنّه كتاب منزل من عند اللَّه وأنّه كان حقّا واجب العمل به قبل ورود النسخ . على أنّه ليس بينهما في الأصول اختلاف أبدا .
--> ( 1 ) البقرة : 255 . ( 2 ) لقمان : 12 .