مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

293

تفسير مقتنيات الدرر

حكي أنّ بعض السالكين رأى إبليس في المنام يبثّ جنوده وأولاده لإغواء بني آدم وكان اللعين عريانا فقال السالك للشيطان حين رآه عريانا : ألا تستحيي من الناس ؟ فقال الشيطان : ليس هؤلاء ناس ، الناس أقوام في مسجد الشونسريّة أفنوا جسدي واحترقوا كبدي قال ذلك السالك - وأظنّه الجنيد - : فلمّا انتهيت غدوت إلى المسجد فرأيت جماعة وضعوا رؤوسهم على ركبتهم متفكّرين فلمّا رأوني قالوا : لا يغرنّك حديث الخبيث . * ( [ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا ] ) * وهم المنافقون القائلون : « لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا » * ( [ وَقالُوا لإِخْوانِهِمْ ] ) * ومعنى « الاخوّة » اتّفاقهم نسبا أو عقيدة * ( [ إِذا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ ] ) * أي سافروا فيها وأبعدوا للتجارة ، والضرب في الأرض الإيغال في السير ، فماتوا وإنّما خصّ الأرض بالذكر لأنّ أكثر أسفارهم في البرّ أو اكتفى بذكر « البرّ » عن البحر كقوله : « سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ » أو الأرض يشمل البرّ والبحر . * ( [ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ] ) * أو كانوا غزاة و « غزّى » جمع غازي وهو على وزن طلَّب في طالب ، فقتلوا وكان مقول قولهم : * ( [ لَوْ كانُوا ] ) * مقيمين * ( [ عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّه ُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ] ) * اللام لام العاقبة أي قالوا هذا القول ليمنعوا المؤمنين عن الجهاد فلم يمتنعوا ولم يقبلوا منهم وخرجوا للغزو فصار حسرة في قلوب المنافقين . وقيل : المعنى ولا تكونوا أيّها المؤمنون كهؤلاء الكفّار والمنافقين في هذه المقالة والعقيدة لكي يجعل اللَّه تلك المقالة سببا لإلزام الحسرة والحزن في قلوبهم فيما أمّلوا منكم من الموافقة معهم لما فاتهم من عزّ الظفر والغنيمة . وعلى هذا المعنى فاللام ليست للعاقبة بل لام العلَّة . * ( [ وَاللَّه ُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ] ) * أي هو المحيي والمميت من غير أن يكون للإقامة أو السفر فإنّه قد يحيي المسافر والغازي مع اقتحامهما لموارد الحتوف ويميت القاعد والمقيم مع حيازتهما لأسباب السلامة * ( [ وَاللَّه ُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ] ) * فلا تكونوا مثل هؤلاء المنافقين . * ( [ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّه ِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّه ِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ] ) * أي إن قتلتم أو متّم في دينه وسبيله وأنتم مؤمنين ، واللام هي الموطَّئة للقسم المحذوف وجوابه « لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّه ِ » وحذف جواب الشرط لسدّ جواب القسم مسدّه للدلالة عليه . والمعني : وباللَّه