مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

290

تفسير مقتنيات الدرر

وأمّا الطائفة الثانية وهم المنافقون الَّذين كانوا شاكّين في نبوّته وما حضروا إلَّا لطلب الغنيمة فهؤلاء اشتدّ جزعهم وعظم خوفهم فوصف سبحانه حال كلّ واحدة من هاتين الطائفتين فقال في صفة المؤمنين : * ( [ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً ] ) * « والأمنة » مصدر « كالأمن » ومثله من المصادر : العظمة والغلبة يقال : أمن فلان يأمن أمنا وأمنة وأمانا . وقرأ صاحب الكشّاف « أمنة » بسكون الميم لأنّها المرّة من الأمن ، و « نُعاساً » إمّا يكون بدلا من « أَمَنَةً » أو مفعولا ، و « أمنة » يجوز أن يكون حالا من المخاطبين بمعنى « ذوي أمنة » والأوجه أن يكون « أَمَنَةً » منصوبة على المفعوليّة و « نُعاساً » بدلا منه أي أعطى ووهب لكم أيّها المؤمنون . « و * ( أَنْزَلَ » مجاز من أعطى أمنا وسنّا . قال أبو طلحة : رفعت رأسي يوم أحد فجعلت لا أرى أحدا من القوم إلَّا وهو يميد تحت حجفته من النعاس وكنت ممّن القي عليه النعاس يومئذ فكان السيف يسقط من يدي فأخذه ثمّ يسقط السوط فآخذه . وفيه دلالة على أنّ من المؤمنين من لم يلق عليه النعاس كما ينبئ عنه قوله تعالى : « يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ » وهم المهاجرون وعامّة الأنصار ولا يقدح ذلك في عموم الإنزال للكلّ ، والجملة في محلّ النصب صفة لنعاسا . * ( [ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ] ) * أي أوقعتهم في الهموم والأحزان وما بهم إلَّا همّ أنفسهم وقصد خلاصها وهم المنافقون * ( [ يَظُنُّونَ بِاللَّه ِ غَيْرَ الْحَقِّ ] ) * حال من ضمير « أَهَمَّتْهُمْ » غير الظنّ الحقّ الَّذي يجب أن يظنّ به سبحانه * ( [ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ ] ) * بدل منه وهو الظنّ المختصّ بالملَّة الجاهليّة وأهلها . وقوله : « ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ » هو أنّهم كانوا ينكرون الإله العالم بكلّ المعلومات القادر على جميع المقدورات وهم عبد اللَّه بن ابيّ ومعتب بن قشير وأصحابهما وينكرون النبوّة والبعث فلا جرم ما وثقوا بقول الرسول وعظم الخوف فيهم . وهذا الأمن كان معجزة عظيمة لأنّ الأعداء كانوا في غاية الحرص على قتل المؤمنين فبقاؤهم في النعاس مع السلامة في مثل تلك الحالة من أدلّ الدلائل على أنّ حفظ اللَّه معهم وكيف يكون الإنسان في مثل هذه الحالة المضطربة خصوصا في أحد أن ينعس وينام ؟