مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
171
تفسير مقتنيات الدرر
فعلى العاقل أن يأخذ من الدنيا قدر البلغة ولا يستكثر بالاستكثار الَّذي يورط صاحبه في المحظور . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 15 ] قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّه ِ وَاللَّه ُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ( 15 ) . * ( [ قُلْ ] ) * يا محمّد ، والهمزة للتقرير أي أخبركم بما هو خير ممّا فصّل من تلك المستلذّات المزيّنة لكم * ( [ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ] ) * والمراد أهل التّقوى « للَّذين » خبر مبتدؤه « جنّات » والمراد من التقوى التحرّز عن المعاصي والتبّتل إلى اللَّه بالإعراض عمّا سواه كما ينبئ عن هذا المعنى النعوت الآتية * ( [ عِنْدَ رَبِّهِمْ ] ) * نصب على الحاليّة * ( [ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ] ) * ومبرّءات من العيوب الظاهرة كالحيض والقاذورات ومن العيوب الباطنة كالغضب والحسد ونحوه ، قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله : شبر من الجنّة خير من الدنيا وما فيها * ( [ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّه ِ ] ) * وإزاء هذه الجنّات رضوانه أي رضوان لا يقادر قدره كائن منه تعالى . قال أهل التحقيق : الجنّات في الآية إشارة إلى الجنّة الجسمانيّة ، والرضوان إشارة إلى الجنّة الروحانيّة وهي عبارة عن تجلَّي أنوار رضاء اللَّه وجلاله لروح العبد واستغراق العبد في استدراك لذّة المعرفة فيصير العبد في مقام الأوّل راضيا عن اللَّه وفي آخره مرضيّا عنده تعالى وإليه الإشارة بقوله : « راضِيَةً مَرْضِيَّةً » « 1 » . * ( [ وَاللَّه ُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ] ) * وبأعمالهم فيعاقب ويثيب حسب ما يليق . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 16 إلى 17 ] الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ ( 16 ) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحارِ ( 17 ) ثمّ وصف المتّقين الَّذين سبق ذكرهم بقوله : « لِلَّذِينَ اتَّقَوْا » فقال : * ( [ الَّذِينَ يَقُولُونَ ] ) * أي المتّقين يقولون : * ( [ رَبَّنا إِنَّنا ] ) * صدّقنا بك * ( [ فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ ] ) * أي استرها وادفع عنّا عذاب النّار * ( [ الصَّابِرِينَ ] ) * نصب على المدح بإضمار أعني الصابرين وهو وصف آخر « لِلَّذِينَ اتَّقَوْا » والصبر التحمّل من مشاقّ الدنيا والطاعات * ( [ وَالصَّادِقِينَ ] ) * في نيّاتهم و
--> ( 1 ) الفجر : 29 .