مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
129
تفسير مقتنيات الدرر
فإن قلت : كيف يكون المال بعضا من النفس حتّى يكون الطاعة ببذله طاعة لبعض النفس وتثبيتا لها على الثمرة الإيمانيّة . فالجواب أنّ النفس لشدّة تعلَّقها بالمال كأنّه بعض منها فالمال شقيق الروح فمن بذل ماله لوجه اللَّه فقد ثبّت بعض نفسه ومن بذل ماله وروحه فقد ثبّتها كلَّها ويجوز أن يكون التثبيت بمعناه أي جعل الشيء محقّقا ثابتا فيكون « من » لابتداء الغاية كقوله : « حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ » « 1 » . * ( [ كَمَثَلِ جَنَّةٍ ] ) * بستان كائن * ( [ بِرَبْوَةٍ ] ) * مكان مرتفع مأمون من فساد الهواء فإنّ أشجار الربى تكون أحسن منظرا وأزكى ثمرا وأمّا الأرض المنخفضة فقلَّما تسلم ثمارها لكثافة هوائها بركود الريح . وقيل : المراد من « الربوة » الأرض الليّنة الجيّدة بحيث إذا نزل المطر عليها ربت ونمت وانتفخت فإنّ الأرض إذا كانت بهذه الصفة يكثر ريعها وتكمل أشجارها ، ويؤيّد هذا المعنى قوله تعالى : « وَتَرَى الأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ » « 2 » والمراد من ربوها ما ذكر * ( [ أَصابَها وابِلٌ ] ) * ووصل إليها مطر كبير القطر شديد الوقع * ( [ فَآتَتْ ] ) * أي أعطت صاحبها * ( [ أُكُلَها ] ) * غلَّتها وثمرتها وهو بضمّتين الشيء المأكول * ( [ ضِعْفَيْنِ ] ) * أي مثلي ما كانت تثمر في سائر الأوقات وحملت في سنة ما يحمل غيرها في سنتين * ( [ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ ] ) * أي المطر الصغير القطر يكفيها لجودتها وكرم منبتها ، والطلّ إذا دام عمل عمل الوابل . وجاز الابتداء بالنكرة لوقوعها في جواب الشرط وهو من جملة المسوّغات للابتداء بالنكرة مثل قولهم : إن ذهب العير فعير في الرباط . وحاصل المعنى تشبيه نفقات المنفقين في سبيله بشروطها زاكية عند اللَّه لا تضيع بحال والتشبيه من قبيل تشبيه المفرّق بأن يشبّه زلفاهم من اللَّه بثمرة البستان وشبّه نفقتهم الكثيرة والقليلة بالقويّ من المطر والضعيف منه من حيث إنّ كلّ واحد منهما سبب للزيادة لأنّ النفقتين تزيدان حسن حالهم كما أنّ المطرين يزيدان ثمر البستان وتختلف الزيادة . * ( [ وَاللَّه ُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ] ) * من عمل الإخلاص وغيره من يزرع الثوم لم يحصده ريحانا .
--> ( 1 ) السورة : 109 . ( 2 ) الحج : 5 .