مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
119
تفسير مقتنيات الدرر
قوله : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 259 ] أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِه ِ اللَّه ُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَه ُ اللَّه ُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَه ُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّه ْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَه ُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّه َ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 259 ) . قوله : « أو » حرف عطف على الكلام الأوّل وهو قوله : « أَلَمْ تَرَ » وتقديره : أرأيت الَّذي حاجّ إبراهيم ؟ أو هل رأيت * ( [ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ ] ) * وحاصل المعنى أنّك ما رأيت مثل الَّذي مرّ على قرية وينبغي أن تتعجّب فتعجّب منه ، والمارّ هو عزير بن شرخيا والقرية بيت المقدس على الأشهر ، واشتقاقها من القرى وهو الجمع . روي أنّ بني إسرائيل لمّا بالغوا في تعاطي الشرّ والفساد سلَّط اللَّه عليهم بخت نصّر البابليّ فسار إليهم في ستّمائة ألف راية حتّى وطئ الشام وخرب بيت المقدس وجعل بني إسرائيل أثلاثا : ثلثا منهم قتلهم وثلثا منهم أقرّهم بالشام وثلثا منهم سباهم وكانوا مائة ألف غلام يافع وغير يافع فقسّمهم بين الملوك الَّذين كانوا معه فأصاب كلّ ملك منهم أربع غلمة وكان عزير من جملتهم ، فلمّا نجّاه اللَّه منهم بعد حين مرّ بحماره على بيت المقدس فرآه على أفظع مرأى وأوحش منظر وذلك قوله : * ( [ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ] ) * أي خالية عن أهلها وساقطة على سقوفها ، والعرش السقف وما يستظلّ به أي على أبنيتها وحيطانها بأن سقطت العروش ثمّ الحيطان سقطت عليها ، من خوت المرأة إذا خلا جوفها عند الولادة . * ( [ قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِه ِ اللَّه ُ بَعْدَ مَوْتِها ] ) * أي كيف يعمر اللَّه هذه القرية بعد خرابها وكيف يحيي اللَّه أهلها بعد ما ماتوا وأطلق لفظ القرية وأراد أهلها ولم يقل ذلك إنكارا وارتيابا بل أحبّ أن يريه اللَّه إحياءها مشاهدة ليحصل له العلم ضرورة كما حصل له العلم دلالة وسأل مقصودة بحسن الطلب كقول إبراهيم : « رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى » « 1 » ولأنّ العلم الاستدلاليّ ربّما اعتورته الشبهة . * ( [ فَأَماتَه ُ اللَّه ُ مِائَةَ عامٍ ] ) * أي جعله ميّتا ، روي أنّه لمّا دخل القرية نزل تحت ظلّ شجرة وهو على حمار فربط حماره وطاف في القرية ولم يربها أحدا وقال ما قال ، وكانت أشجارها قد
--> ( 1 ) السورة : 260 .