مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

38

تفسير مقتنيات الدرر

والحقّ انّ هذه البيانات لا يطمئن إليها النفس وأضعف من حجة نحوي ، لكنّ الأوجه هو انّ اللَّه وعد نبيّة ان ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماء ، ولا يخلق على كثرة الرد فلمّا انزل القرآن قال : هذا القرآن ذلك الكتاب الذي وعدتك أو هذا القرآن ( والقرآن يشمل على الكل والبعض ولو آية ) ذلك الكتاب الذي وعدت به في الكتب السالفة والكتاب مصدر بمعنى المكتوب ، كالحساب بمعنى المحسوب ، والكتب بمعنى الضمّ لانضمام بعض الحروف ببعض ، ومنه يقال للجند كتيبة ، ومن قال انّ المراد من الكتاب في الآية : التوراة والإنجيل فقول فاسد ، لأنّه وصف الكتاب بأنه لا ريب فيه وانه هدى ، ووصف ما في أيدي اليهود والنصارى بأنه محرّف بقوله : « يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِه » والكتاب جاء في القرآن على وجوه : أحدها : الفرض مثل كتب عليكم الصيام ومثل ان الصّلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا . وثانيها : الحجّة والبرهان مثل فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين . وثالثها : الأجل مثل وما أهلكنا من قرية إلَّا ولها كتاب معلوم . ورابعها : المكاتبة مثل كتابة السيّد عبده ، والذين يبتغون الكتاب ممّا ملكت ايمانكم . قوله « لا رَيْبَ فِيه » - اى لا ريب وشكّ كائن في الكتاب ، وانّه حقّ وصدق ومعجزة ، وريب اسم لا ، وفيه خبرها . والريب من رابني الشيء إذا حصل فيه الريبة ، وهي قلق النفس واضطرابها ، والريب أقبح اقسام الشكوك . فإن قيل : انّه نفى الريب ونحن نرى انّ الكفار شكّوا فيه ، والمبتدعون شكّوا في معاني متشابهه ، فما معنى نفي الريب على سبيل الاستغراق ؟ فالجواب انّ نفي الريب عن الكتاب يعنى انّ الكتاب ليس فيه سبب ريب ولا يتمكّن فيه ريب لصدقه ، لا انّ الناس لا يشكّون فيه . وقيل معنى الآية النهي وإن كان لفظها الخبر ، اى لا ترتابوا ولا تشكّوا فيه كقوله : « فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ » .