محمود أبو رية
393
أضواء على السنة المحمدية
هل كل من وثقه جمهور المتقدمين يكون ثقة : كان أحد الشيوخ الأزهريين قد أخذ على العلامة السيد رشيد رضا أنه انتقد كعب الأحبار ووهب بن منبه ! وأظهر عدم الثقة بروايتهما ، فأجاب رحمه الله برد طويل ممتع مفحم ، ننقل منه ما يلي : " إذا سلمنا أن كل من وثقه جمهور المتقدمين فهو ثقة - وإن ظهر خلاف ذلك بالدليل - نفتح بابا للطعن في أنفسنا بنبذ الدليل والأخذ في مقدماته بالتقليد ، ومخالفة هداية القرآن المجيد " . وبعد أن بين أن نقد رواة الحديث قد بحث فيه رجال الجرح والتعديل قال : أما تمحيص متون الروايات وموافقتها أو مخالفتها للحق والواقع وللأصول أو الفروع الدينية القطعية أو الراجحة وغيرها فليس من صناعتهم ، ( أي رجال الحديث ) ويقل الباحثون فيه منهم ، ومن تعرض له منهم - كالإمام أحمد والبخاري لم - يوفه حقه ، كما تراه فيما يورده الحافظ ابن حجر في التعارض بين الروايات الصحيحة له ولغيره ، ومنه ما كان يتعذر عليهم العلم بموافقته أو مخالفته للواقع كظاهر ، حديث أبي ذر عند الشيخين وغيرهما ( 1 ) : أين تكون الشمس بعد غروبها ؟ فقد كان المتبادر منه للمتقدمين أن الشمس تغيب عن الأرض كلها وينقطع نورها عنها مدة الليل ! إذ تكون تحت العرش تنتظر الأذن لها بالطلوع ثانية ! ! وقد صار من المعلوم القطعي لمئات الملايين من البشر أن الشمس لا تغيب عن الأرض في أثناء الليل ، وإنما تغيب عن بعض الأقطار وتطلع على غيرها ، فنهارنا ليل عند غيرنا ، وليلنا نهار عندهم ، كما هو المتبادر من قوله تعالى ( يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل ) ، وفي قوله : ( يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا ) ، فنحن - بعد
--> ( 1 ) نص الحديث قال رسول الله لأبي ذر حين غربت الشمس ، أتدري أين تذهب ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها . وتستأذن فلا يؤذن لها ! فيقال لها : ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله ( والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم ) . هذا لفظ البخاري وقد رواه الشيخان وبعض أصحاب السنن والمسانيد والتفسير المأثور والبيهقي بألفاظ متقاربة .