محمود أبو رية

277

أضواء على السنة المحمدية

وقال الجمهور : إن أخبار الآحاد لا تفيد العلم قطعا ولو كانت مخرجة في البخاري ومسلم ، وإن تلقي الأمة لهما بالقبول إنما يفيد العمل بما فيهما بناء على أن الأمة مأمورة ، بالأخذ بكل خبر يغلب على الظن صدقه ( 1 ) ، ولا يفيد أن ما فيهما ثابت في نفس الأمر قطعا . كالقاضي فإنه مأمور بالحكم بشهادة من كان عدلا في الظاهر ، وكونه مأمورا بذلك لا يدل على أن شهادة العدل لا بد أن تكون مطابقة للواقع وثابتة في نفس الأمر ، لاحتمال أن يكون قد شهد بخلاف الواقع ، إما لوهم وقع له إذا كان عدلا في نفس الأمر ، أو لكذب لم يخرج منه إذا كان عدلا فيما يبدو للناس - هذا ما قاله الجمهور . وقال كثير من العلماء في أخبار الآحاد ، إنه يعمل بها ولا يشهد أن النبي قالها . وأطلق ابن عبد البر وجماعته : إنه قول جمهور أهل العلم والنظر حتى قال بعضهم : ولو مع قرينة أي أنه لا يفيد العلم ولو مع قرينة . وقال الرازي في تفسيره : ورواية الواحد إنما تفيد الظن . وقال في كتاب معالم أصول الدين ( 2 ) ، بعد أن عدد العناصر الذاتية التي تشتمل عليها البراهين النقلية المبنية على الروايات : " وإذا ثبت هذا ظهر أن الدلائل النقلية ظنية ، وأن العقلية قطعية والظن لا يعارض القطع " . المتواتر ليس من مباحث علم الإسناد : قال ابن الصلاح : إن المتواتر لا يبحث عنه في علم الأثر . وقال الجزائري في توجيه النظر : ما قاله ابن الصلاح من أن المتواتر لا يبحث عنه في علم الأثر مما لا يمترى فيه . وقال بعض العلماء : ليس المتواتر من مذهب علم الإسناد ، إذ هو ( 3 ) علم

--> ( 1 ) ترى هل هذه القاعدة التي قرروها قد أمر الله بها ورسوله ؟ وترى هل هي تخرجنا من حكم اتباع الظن الذي جاء في آيات كثيرة من القرآن مثل " وما يتبع أكثرهم إلا ظنا وإن الظن لا يغني من الحق شيئا - وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا " ومثل قوله تعالى " ما لهم به من علم إلا اتباع الظن " ؟ ( 2 ) ص 9 . ( 3 ) أي علم الإسناد .