محمود أبو رية

275

أضواء على السنة المحمدية

" والعدالة " وحدها غير كافية ، وقد اختلفوا في صفتها اختلافا شديدا حتى قالوا : " إن من الصعب الوقوف على رسم العدالة فضلا عن حدها ، وخاضوا في ذلك كثيرا ، ولا نطيل فيما قالوه في ذلك ، وقد عرفوا " الضابط " ( 1 ) في الرواية بأنه هو الذي يقل خطؤه في الرواية - وغير الضابط هو الذي يكثر غلطه ( 2 ) ووهمه ، سواء أكان ذلك لضعف استعداده ، أم لتقصيره في اجتهاده ، وقد وضعوا صفات كثيرة للضابط لا نعرض لها ( 3 ) . لأن كلا من العدالة والضبط له مراتب عليا ووسطى ودنيا ، ويحصل من تركيب بعضها مع بعض مراتب للحديث مختلفة في القوة والضعف ( 4 ) . و " الثقة " هو الذي يجمع بين العدالة والضبط ، وليس كل ما يرويه " الحافظ المتقن " صوابا لاحتمال أن يكون قد زل في بعض المواضع ، وكذلك ليس كل ما يرويه " غير الحافظ المتقن " خطأ لإصابته في كثير من المواضع ، والعاقل اللبيب هو الذي يسعى لمعرفة صواب كل فريق ليأخذ به . الخبر وأقسامه : لما كان الحديث عبارة عن أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله كما عرفوه ، وكان من لم يدرك هذه الأقوال بطريق الحس لا سبيل له إلى إدراكها إلا بطريق الخبر ، اعتنى العلماء ببيان أقسام الخبر مطلقا ، وجعلوا للحديث الذي هو قسم من أقسام الخبر بحثا خاصا به . وقد قسم " علماء الكلام والأصول " الخبر إلى قسمين : خبر متواتر ، وخبر آحاد " فالخبر المتواتر " هو خبر عن محسوس أخبر به جماعة بلغوا في الكثرة مبلغا تحيل العادة تواطؤهم على الكذب فيه ، وهو مفيد للعلم بنفسه ( 5 ) لأنه صحيح قطعا

--> ( 1 ) الراوي الضابط في الحقيقة هو الذي يؤدي ما سمع إلى غيره بغير تغيير ولا تبديل كما جاء في الحديث : وأداها كما سمعها لفظا ومعنى . ( 2 ) قال ابن تيمية : وأما الغلط فلم يسلم منه أكثر الناس بل في الصحابة من قد يغلط أحيانا وفيمن بعدهم ولهذا كان فيما صنف في الصحيح أحاديث يعلم أنها غلط . ( 3 ) قسموا الرواة الجامعين بين العدالة والضبط باعتبار تفاوت درجاتهم إلى تسعة أنواع بينوها في كتبهم . ( 4 ) ص 407 من توجيه النظر . ( 5 ) لم يسلم المتواتر من شبهة على إفادته - علم اليقين - فمن هذه الشبهة أنه يجوز أن تخبر جماعة لا يمكن تواطؤهم على الكذب بأمر حياة فلان وتخبر جماعة أخرى مثلهم بما ينقض خبرهم . وقال الغزالي : إن العدد الكثير ربما يخبرون عن أمر تقتضي أيالة الملك وسياسته إظهاره والمخبرون من رؤساء جنود الملك ، فيتصور إجماعهم تحت ضغط الايالة على الاتفاق على الكذب . والفرقة التي أنكرت إفادة المتواتر العلم اليقيني قالت إن الحاصل منه هو الظن القوي الغالب .