محمود أبو رية

259

أضواء على السنة المحمدية

النبي قد نهى عن كتابتها ، وكانت صدورهم ، هي التي تحملها ، ومن أجل ذلك كانوا ينشرونها بالرواية ، إما بنفس الألفاظ التي سمعوها من النبي - إن بقيت في أذهانهم وهذا نادر جدا - وإن وقع ذلك ففي بعض الأحاديث القصيرة ، أو - بما يؤدي معناها إذا غابت عنهم ، وهذا كان غالب أمرهم ، ولم يروا حرجا من ذلك " لأن المقصود من الحديث عندهم - كما قالوا - هو المعنى ولا يتعلق في الغالب حكم بالمبنى " بخلاف القرآن فإن لألفاظه مدخلا في الإعجاز ، فلا يجوز إبدال لفظ بلفظ آخر ، ولو كان مرادفا له خشية النسيان مع طول الزمان ، فوجب أن يقيد بالكتابة ولا يكتفى بالحفظ - وإعجازه قائم ولا جرم على تأليف ألفاظه . قال الإمام الخطابي في كتابه إعجاز القرآن : إنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة : لفظ حاصل ، ومعنى قائم ، ورباط لهما ناظم . وقال الشيخ أبو بكر بن عقال الصقلي في فوائده على ما رواه ابن بشكوال : إنما لم يجمع الصحابة سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مصحف كما جمعوا القرآن ، لأن السنن انتشرت وخفي محفوظها من مدخولها ، فوكل أهلها في نقلها إلى حفظهم ولم يوكلوا من القرآن إلى مثل ذلك ، وألفاظ السنن غير محروسة من الزيادة والنقصان كما حرس الله كتابه ببديع النظم الذي أعجز الخلق عن الاتيان بمثله ، فكانوا في الذي جمعوه من القرآن مجتمعين ، وفي حروف السنن ونقل نظم الكلام نصا مختلفين ، فلم يصح تدوين ما اختلفوا فيه ( 1 ) . وقد ظل الأمر في رواية الحديث على ما ذكرنا ، تفعل فيه الذاكرة ما تفعل ، لا يكتب ولا يدون طوال عهد الصحابة وصدرا كبيرا من عهد التابعين إلى أن حدث التدوين - على ما قالوا - في آخر عهد التابعين ( 2 ) قال الهروي ( 3 ) : لم يكن الصحابة ولا التابعون يكتبون الأحاديث إنما كانوا يؤدونها لفظا ويأخذونها

--> ( 1 ) ص 48 و 49 من شرح شروط الأئمة الخمسة للحازمي . ( 2 ) آخر عصر التابعين هو حدود الخمسين ومائة . والحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر هو رأس سنة 300 ه‍ . ( 3 ) ص 7 ج 1 إرشاد الساري شرح القسطلاني وص 10 ج 1 شرح الزروقاني على الموطأ .