محمود أبو رية

213

أضواء على السنة المحمدية

ولما شبت نار الحزب بين علي رضي الله عنه وبين معاوية ، وإن شئت فقل لما انبعث الصراع بين الأموية والهاشمية ( 1 ) بعد أن توارى - فرقا من القوة - في زمن النبي وخليفتيه أبي بكر وعمر ، وانقسم المسلمون فرقا اتجه أبو هريرة إلى الناحية التي يميل إليها طبعه ، وتتفق مع هوى نفس - وهي ناحية معاوية - إذ كانت تملك من أسباب السلطان والترف والمال والنعيم ما لم تملك ناحية على التي ليس فيها إلا الفقر والجوع والزهد - وليس بغريب على من نشأ نشأة أبي هريرة وعاش عيشته ، أن يتنكب الطريق التي تؤدي إلى علي ، وأن يتخذ سبيله إلى معاوية ليشبع نهمه من ألوان موائده الشهية ، ويقضي وطره من رفده وصلاته وعطاياه السنية . وإذا كان قد بلغ من فاقة أبي هريرة وجوعه أن يخر مغشيا عليه ( 2 ) ، فيضع الناس أرجلهم على عنقه ! فهل تراه يدع دولة بني أمية ذات السلطان العريض والأطعمة الناعمة ، وينقلب إلى علي الزاهد الفقير الذي كان طعامه القديد ؟ إن هذا لمما تأباه الطباع الإنسانية ، ولا يتفق والغرائز النفسية ! اللهم إلا من عصم ربك ، وقليل ما هم . ولقد عرف بنو أمية صنيعه معهم ، وقدروا موالاته لهم ، فأغدقوا عليه من أفضالهم ، وغمروه برفدهم وأعطيتهم ! فلم يلبث أن تحول حاله من ضيق إلى سعة ، ومن شظف العيش إلى دعة ، ومن فقر إلى ثراء ، وبعد أن كان يستر جسمه بنمرة بالية ( 3 ) صار يلبس الخز والكتان الممشق ( 4 ) . ولقد كانت أول لفتة من عين الأمويين إلى أبي هريرة لقاء مناصرته إياهم أن

--> ( 1 ) ارجع إلى كتابنا المطول عن أبي هريرة تجد فيه فصلا خاصا عنوانه " كيف قامت دولة بني أمية " . ( 2 ) من قول أبي هريرة - كما روى البخاري : لقد رأيتني وإني لأخر فيما بين منبر رسول الله إلى حجرة عائشة مغشيا علي ، فيجيئ الجائي فيضع رجله على عنقي ويرى أني مجنون - وما بي من جنون - ما بي إلا الجوع . ( 3 ) ومن قوله - كما جاء في الحلية - نزعت نمرة على ظهري فبسطتها بين يديه صلى الله عليه وآله كأني أنظر إلى القمل يدب عليها ، وهذه النمرة كان يربطها في عنقه فتبلغ ساقيه فيجمعها بيده لئلا تبدو عورته . ( 4 ) في طبقات ابن سعد أن أبا هريرة كان يلبس الخز والساج المزرور بالديباج ، وروى البخاري أنه كان يلبس الكتان الممشق .