محمود أبو رية

183

أضواء على السنة المحمدية

جمعتكم لأن تميما الداري ( 1 ) كان رجلا نصرانيا ، فجاء فبايع وأسلم ، وحدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلا من لخم وجذام ، فلعب بهم الموج شهرا في البحر ثم أرفأوا إلى جزيرة في البحر ( 2 ) حتى مغرب الشمس ، وأنهم دخلوا الجزيرة فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر لا يدرون ما قبله من دبره ، فقالوا : ويلك ما أنت ؟ فقالت : أنا الحساسة ، ثم أشارت عليهم أن يتطلعوا إلى رجل في الدير وأشارت إليه . فدخلوا الدير فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه خلقا ، وأشده وثاقا مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد ، ولما عرف أمرهم وأنهم من العرب سألهم جملة أسئلة ، وهم يجيبون عنها إلى أن قال لهم : أخبروني عن نبي الأميين ما فعل ؟ قالوا : قد خرج من مكة ونزل يثرب ، قال : أقاتله العرب ؟ قلنا : نعم . قال : كيف صنع بهم ! فأخبروه بأنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه ، قال : وإني مخبركم عني : إني أنا المسيح وإني أوشك ( 3 ) أن يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الأرض أربعين يوما فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة فإنهما محرمتان على كلتاهما . كلما أردت أن أدخل واحدة أو واحدا منهما استقبلني ملك بيده السيف مصلتا يصدني عنها ، وبعد ما ذكر ذلك ، طعن الرسول بمخصرته في المنبر وقال : هذه طيبة ، هذه طيبة ، هذه طيبة ، يعني المدينة . ولم يشأ أبو هريرة أن يدع هذا الخبر بغير أن يمسه بنفحة من غرائبه ، فروى أن بين قرني الجساسة فرسخ للراكب ! وقد رأينا تعليقا على هذا الحديث للعلامة السيد رشيد رضا رحمه الله نثبته هنا في محله . " حديث الجساسة الذي حدث به تميم الداري رسول الله وأخرجه مسلم في صحيحه مرفوعا من طرق يخالف بعضها بعضا في متنه - فهذا الخلاف في المتن علته

--> ( 1 ) جاء هو وأخوه نعيم المدينة سنة 9 ه‍ وأسلما كما قلنا . ( 2 ) لعل علماء الجغرافيا يبحثون عن هذه الجزيرة ويعرفون أين مكانها من البحر ! ثم يخبروننا حتى نرى ما فيها من الغرائب التي حدثنا بها - سيدنا - تميم الداري رضي الله عنه . ( 3 ) هذا الوشك كان حوالي سنة 9 ، ونحن الآن في 1386 ولم نر لهذا المسيح وجها ولا لمسنا له أثرا !