محمود أبو رية
153
أضواء على السنة المحمدية
يتوسع . قال ابن كثير ( 1 ) : " لما أسلم كعب في الدولة العمرية جعل يحدث عمر رضي الله عنه ، فر بما استمع له عمر ، فترخص الناس في استماع ما عنده ، ونقلوا ما عنده من غث وسمين " . ولكن لم يلبث عمر أن فطن لكيده وتبين له سوء دخلته ، فنهاه عن الحديث ، وتوعده إن لم يترك الحديث عن الأول أو ليلحقنه بأرض القردة ( 2 ) . وعلى أن عمر قد ظل يترقب هذا الداهية بحزمه وحكمته ، وينفذ إلى أغراضه الخبيثة بنور بصيرته ، كما ترى في قصة الصخرة - فإن شدة دهاء هذا اليهودي قد تغلبت على فطنة عمر وسلامة نيته ، فظل يعمل بكيده في السر والعلن ، حتى انتهى الأمر بقتل عمر ، وتدل القرائن كلها على أن هذا القتل كان بمؤامرة من جمعية سرية ، وكان هذا الدهي من أكبر أعضائها وعلى رأسها الهرمزان ( 3 ) ملك الخوزستان الذي كان قد جيئ به إلى المدينة أسيرا ، وعهدوا بتنفيذها إلى أبي لؤلؤة الأعجمي . قتل عمر ويد كعب فيه ذكر المسور بن مخرمة ( 4 ) أن عمر لما انصرف إلى منزله بعد أن أوعده أبو لؤلؤة جاء كعب الأحبار ( 5 ) فقال : يا أمير المؤمنين " أعهد " فإنك ميت في ثلاث ليال ،
--> ( 1 ) ص 17 ج 4 تفسير . ( 2 ) ص 206 ج 8 البداية والنهاية ، ورواية الذهبي في سير أعلام النبلاء " لتتركن الحديث أو لألحقنك بأرض القردة ص 433 ج 2 . ( 3 ) هو صاحب تستر من أعظم قواد الفرس وكان على ميمنة جيش رستم وزير ملك فارس في حرب القادسية ، ولما قتل رستم فر الهرمزان بمن بقي من جنده ، فما زال المسلمون يتابعونه حتى لجأ إلى مدينة تستر وتحصن بها فحاصروه أشد حصار حتى أنزلوه على حكم الفاروق ، وأتوا به إلى المدينة ( سنة 17 ه ) وكان المسلمون يسبون أبناء فارس ويتخذونهم عبيدا . ومن كان منهم بالمدينة كانوا يختلفون إلى الهرمزان ، ومن هؤلاء السبايا فيروز الملقب " بأبي لؤلؤة " وكان غلاما للمغيرة بن شعبة وهو الذي طعن عمر . ( 4 ) ص 24 / 3 تاريخ ابن الأثير والجزء الخامس من تاريخ الطبري . ( 5 ) كان لهذا الرجل أفانين عجيبة في اللعب بعقول المسلمين ، وإليك لعبة من ألاعيبه رواها المؤرخون الثقات : قال كعب لعمر : أجدك في التوراة تقتل شهيدا ! قال عمر : وأنى لي بالشهادة وأنا بجزيرة العرب ؟ وعن شداد بن أوس عن كعب قال : كان في نبي إسرائيل ملك إذا ذكرناه ذكرنا عمر ، وإذا ذكرنا عمر ذكرناه ، وكان إلى جنبه نبي يوحى إليه فأوحى الله إلى النبي أن يقول له : أعهد عهدك واكتب إلي وصيتك ، فإنك ميت إلى ثلاثة أيام ، فأخبره النبي بذلك - فلما كان اليوم الثالث وقع بين الجدار والسرير ثم جاء إلى ربه فقال : اللهم إن كنت تعلم أني كنت أعدل في الحكم وإذا اختلفت الأمور اتبعت هداك ، وكنت وكنت فزد في عمري حتى يكبر طفلي ، وتربو أمتي ، فأوحى الله إلى النبي أنه قال كذا وكذا وقد صدق وقد زدته في عمره خمس عشرة ففي ذلك ما يكبر طفله وتربو أمته ، فلما طعن عمر قال كعب : لئن سأل عمر ربه ليبقينه الله ، فأخبر بذلك عمر فقال : اللهم اقبضني إليك غير عاجز ولا ملوم - من ص 90 ، 98 تاريخ الخلفاء و 357 ج 2 في تاريخ الكامل لابن الأثير .