ابن الجوزي

32

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

المنصور ، فلم يحضر الإمام فأذّن المؤذنون ونزلوا ، فأخبروا أنهم رأوا عسكر البساسيري حذاء شارع دار الرقيق ، وجاء العسكر ، وصلى الناس الظهر بغير خطبة . ثم ورد في السبت نحو مائتي فارس ، ثم دخل البساسيري بغداد يوم الأحد ثامن ذي القعدة ومعه الرايات المصرية ، فضرب مضاربه على شاطئ دجلة ، فتلقاه أهل الكرخ ، فوقفوا في وجه فرسه وتضرعوا إليه أن يجتاز عندهم ، فدخل الكرخ وخرج إلى مشرعة الروايا ، فخيم بها ، وكان على رأسه أعلام عليها مكتوب الامام المستنصر باللَّه أبو تميم معد أمير المؤمنين ، وكان قد جمع العيارين وأهل الرساتيق وأطمعهم في نهب دار الخلافة ، والناس إذ ذاك في ضرّ ومجاعة ، ونزل قريش ابن بدران في نحو مائتي فارس على مشرعة باب البصرة ، فلما استقر بالقوم المنزل ركب عميد العراق من الجانب الشرقي في العسكر وحواشي الدولة والهاشميين والعوام والعجم إلى آخر النهار ، فلم يجابهوا عسكر البساسيري بشيء ، ونهبت دار قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغانيّ ، وهلك أكثر السجلات والكتب الحكمية ، فبيعت على العطارين ، ونهبت دور المتعلقين بالخليفة ، ونهب أكثر باب البصرة بأيدي أهل الكرخ تشفيا لأجل المذهب ، وانصرف الباقون عراة ، فجاؤوا إلى سوق المارستان ، وقعدوا على الطريق ومعهم النساء والأطفال ، وكان البرد حينئذ شديدا ، وعاود أهل الكرخ الأذان « بحي على خير العمل » وظهر فيهم السرور الكثير ، وعملوا راية بيضاء ونصبوها وسط الكرخ وكتبوا عليها اسم المستنصر باللَّه ، وأقام بمكانه والقتال يجري في السفن بدجلة . [ الدعاء لصاحب مصر في جامع المنصور ] 17 / ب فلما كان يوم الجمعة الثالث عشر / من ذي القعدة : دعي لصاحب مصر في جامع المنصور ، وزيد في الأذان « حي على خير العمل » وشرع البساسيري في إصلاح الجسر ، فعقده بباب الطاق ، وعبر عسكره عليه فنزلوا الزاهر ، وحضرت الجمعة يوم العشرين من ذي القعدة فدعي لصاحب مصر بجامع الرصافة ، وخندق الخليفة حول داره ونهر معلى خنادق ، وحفرت آبار في الحلبة ، وغطيت حتى يقع فيها من يقاتل ، وبنيت أبراج على سور دار الخليفة ، وخرج رئيس الرؤساء ، فوقف دون باب الحلبة يفرق النشاب ، ثم فتح الباب فاستجرهم البساسيري ، ثم كر عليهم فانهزموا ، وامتلأ باب الخليفة بالقتلى ، وأجفل رئيس الرؤساء إلى دار الخليفة ، فهرب أهل الحريم ، وعبروا