ابن الجوزي
309
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
عمّر القناطر ، وأسقط المكوس والضرائب وحفر الأنهار الخراب ، وبنى الجامع الَّذي يقال له جامع السلطان الَّذي يقال له / انه جدد بناه [ 1 ] ببغداد ، وبنى مدرسة أبي 149 / أحنيفة والسوق ، وبنى منارة القرون من صيوده ، وهي التي بظاهر الكوفة ، وبنى مثلها وراء النهر ، وتذكر ما اصطاده بنفسه ، فكان عشرة آلاف فتصدق بعشرة آلاف دينار ، وقال : إني خائف من الله سبحانه من إرهاق روح لغير مأكلة ، وخطب له من أقصى بلاد الترك إلى أقصى بلاد اليمن ، وراسله الملوك حتى قال النظام : كم من يوم وقعت بإطلاق إذ مات لرسل ملك الروم ، واللان ، والخزر ، والشام ، واليمن ، وفارس وغير ذلك . قال : وإن خرج هذا السلطان في السنة أكثر [ 2 ] من عشرين ألف ألف دينار ، وكانت السبل في زمانه آمنة ، وكانت نيته في الخير جميلة ، وكان يقف للمرأة والضعيف ولا يبرح إلا بعد إنصافهم . ومن محاسن ما جرى له في ذلك أن بعض التجار قال : كنت يوما في معسكره ، فركب يوما إلى الصيد ، فلقيه سوادي يبكي فقال له : مالك ؟ [ فقال له ] [ 3 ] يا خيلباشي كان معي حمل بطيخ هو بضاعتي فلقيني ثلاثة غلمان فأخذوه . فقال له : أمض إلى العسكر ، فهناك قبة حمراء ، فاقعد عندها ولا تبرح إلى آخر النهار ، فأنا أرجع وأعطيك ما يغنيك . فلما عاد قال للشرابي قد اشتهيت بطيخا ففتش العسكر وخيمهم ففعل ، فأحضر البطيخ فقال : عند من رأيتموه ؟ فقال : في خيمة فلان الحاجب . فقال : أحضروه فأحضر [ 4 ] فقال له : من أين لك هذا البطيخ ؟ فقال : جاء به الغلمان . فقال : أريدهم هذه الساعة . فمضى وقد أحس بالشر ، فهرب الغلمان خوفا من أن يقتلهم ، وعاد وقال : قد هربوا لما علموا أن السلطان يطلبهم فقال : أحضروا السوادي ، فأحضر فقال له : هذا بطيخك الَّذي أخذ منك ؟ قال : نعم فقال : هذا الحاجب مملوك أبي ومملوكي ، وقد سلمته إليك [ و ] وهبته لك ، ولم يحضر الذين أخذوا مالك ، وو الله لئن تركته لا ضربن رقبتك . / فأخذ السوادي بيد الحاجب وأخرجه ، فاشترى الحاجب نفسه منه بثلاثمائة 149 / ب دينار ، فعاد السوادي إلى السلطان فقال : يا سلطان قد بعت المملوك الَّذي وهبته لي بثلاثمائة دينار . فقال : قد رضيت بذلك ؟ قال : نعم . فقال : اقبضها وامض مصاحبا .
--> [ 1 ] « الَّذي يقال له أنه جدد بناه » سقطت من ص . [ 2 ] في ص : « نجو من » . [ 3 ] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل . [ 4 ] « فأحضر » سقطت من ص .