ابن الجوزي

109

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

عبد الصمد ، وهم أئمة [ 1 ] المساجد والزهاد ، واستعبد القصاص والوعاظ ، وأكرم بني هاشم الأشراف بالعطاء الجزيل ، ثم عطف على الشحن والعمداء والعرب والتركمان فأرغبهم [ 2 ] باللطائف والهدايا ، فصار في الحشمة والمحبة الَّذي لا يناله أحد ، فاحتاج إلى جاهه الخلفاء والملوك ، وما كان يسمع منه كلمة تدل على فعل فعله ، ولا إنعام أسداه ، ولا منة على أحد ، وصمد لحوائج الناس ، وكان يعظم من يقصده في حاجة أكثر من تعظيمه من يقصده في غير حاجة . وتولى ابن يوسف المارستان وهو لا يوجد فيه دواء ولا طبيب ، والمرضى ينامون على بواري النقض ، فطبقه بخمسة وعشرين ألف طابق ، ورتب فيه ثمانية وعشرين طبيبا ، وثلاثة خزان [ 3 ] ، وابتاع له أملاكا نفيسة وكان مقدما عند السلاطين . ولقد ماتت ابنته وكانت زوجة أبي عبد الله بن جردة ، فتبعها الأكابر والقضاة ، ومشوا بعض الطريق ، وجاءت صلف القهرمانة بطعام وشراب من عند الخليفة . وتوفي ابن يوسف في داره بباب المراتب يوم الثلاثاء ، ودفن يوم الأربعاء لأربع عشرة من محرم هذه السنة بقبر أحمد ، / وأبيه وجده لأمه أبي الحسين بن 56 / أالسوسنجردي [ 4 ] ، وغسله القاضي أبو الحسين بن المهتدي ، وصلى عليه ابنه أبو محمد الحسن داخل المقصورة ، وتبعه مائة ألف رجل سوى النساء ، وعطلت أسواق بغداد . قال محمد بن الفضل الهمذاني : حدثني رجل من أهل النهروان أن ابن يوسف كان يعطيه كل سنة عشرة دنانير ، فأتى بعد وفاته إلى ابن رضوان فأذكره بها ، فأعرض عنه ، فألح عليه ، فقال له : اطلب من الَّذي [ 5 ] كان يعطيك . فمضى إلى قبر ابن يوسف ، وجلس عنده يترحم عليه ويقرأ القرآن ، فوجد عنده قرطاسا فيه عشرة دنانير فأخذه ، وجاء إلى ابن رضوان فعرفه الحال ، فتعجب وتفكر ، فذكر أنه زار القبر وفي صحبته كواغد فيها

--> [ 1 ] في المطبوعة : « أصحاب » . [ 2 ] في ص : « فقعدعهم » . [ 3 ] في الأصل : « خوان » . [ 4 ] في الأصل : « الوسنجري » . [ 5 ] في ص : « ممن كان » .