ابن الجوزي

56

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

عبد الصمد يدق السعد في العطارين ويذهب مذهب التدين والتصون والتعفف والتقشف ، فسمع عطارا يهوديا يقول لابنه : يا بني قد جربت هؤلاء المسلمين فما وجدت فيهم ثقة ، فتركه عبد الصمد أياما ثم جاءه ، فقال : أيها الرجل [ 1 ] تستأجرني لحفظ دكانك . قال : نعم ، وكم تأخذ مني ؟ قال : ثلاثة أرطال خبز ودانقين فضة كل يوم ، قال : قد رضيت ، قال : فاعطني الخبز أدرارا واجمع لي الفضة عندك فإنّي أريدها لكسوتي . فعمل معه سنة ، فلما انقضت جاءه فحاسبه فقال : انظر إلى دكانك ، قال : قد نظرت ، قال : فهل وجدت خيانة أو خللا ، قال : لا والله ، قال : فإنّي لم أرد العمل معك وإنما سمعتك تقول لولدك في الوقت الفلاني أنك لم تر في المسلمين أمينا ، فأردت أن أنقض عليك قولك وأعلمك أنه إذا كان مثلي وأنا أحد الفقراء على هذه الصورة فغيري من المسلمين على مثلها / وما هو أكثر منها [ 2 ] . ثم فارقه وأقام على دق السعد مدة وعرفه الناس واشتهر بفعله ودينه عندهم وانقطع إلى الوعظ ، وحضور الجوامع وكثر أصحابه وشاع ذكره ، وكان ينكر على من يسمع القضيب . أخبرنا عبد الرحمن بن محمد [ 3 ] ، أخبرنا أحمد بن علي ، قال : حدثني علي بن محمد بن الحسن المالكي ، قال : جاء رجل إلى عبد الصمد [ 4 ] بمائة دينار ليدفعها إليه ، فقال [ 5 ] : أنا غني عنها ، فقال : ففرقها على أصحابك هؤلاء ، فقال : ضعها على الأرض . ففعل ، فقال عبد الصمد للجماعة : من احتاج [ منكم ] [ 6 ] إلى شيء ، فليأخذ على قدر حاجته . فتوزعتها الجماعة على صفات مختلفة من القلة والكثرة ولم يمسها هو بيده . ثم جاءه ابنه بعد ساعة فطلب منه شيئا ، فقال له : اذهب إلى البقال فخذ منه على ربع رطل تمر . وبلغنا عن عبد الصمد أنه اشترى يوما دجاجة [ 7 ] وفاكهة وحلوى فرآه بعض

--> [ 1 ] « أيها الرجل » : ساقطة من ص . [ 2 ] في الأصل : « وعلى أكثر منها » . [ 3 ] في الأصل : « عبد الله بن محمد » . [ 4 ] في الأصل : « جاء رجل من عبد الصمد » . [ 5 ] في الأصل : « قال » . [ 6 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل . [ 7 ] في الأصل : « اشترى يوما دجاجا » .