ابن الجوزي

248

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

جاوبه أنكر الكلام فتأمله فعرفه ، فقال له : يا أخي وإلى هاهنا تتبعني أما كفاك انقطاعي عن مجالس الطلب ، وعن الخروج جملة ، وعن القعود على بابي نهارا حتى قطعت علي جميع ما لي فيه راحة فقد صرت في سجنك ، والله لا فارقت بعد هذه الليلة قعر منزلي ولا جلست بعدها على بابي ليلا ولا نهارا ، ثم قام وانصرف أحمد بن كليب حزينا كئيبا . قال محمد : واتصل بنا ذلك فقلنا لأحمد بن كليب : قد خسرت دجاجك وبيضك ، فقال : هات كل ليلة قبلة يده وأخسر أضعاف ذلك ، فلما يئس من رؤيته البتة نهكته العلة وأضجعه المرض ، قال محمد بن الحسن : فأخبرني شيخنا محمد بن خطاب قال : عدته فوجدته بأسوإ حال ، فقلت له : لم لا تتداوى ؟ فقال : دوائي معروف ، وأما الأطباء فلا حيلة لهم في البتة فقلت له : فما دواؤك ؟ قال : نظرة من أسلم فلو سعيت في أن يزورني لأعظم الله أجرك بذلك وأجره ، قال : فرحمته وتقطعت نفسي له فنهضت إلى أسلم فاستأذنت عليه فأذن لي وتلقاني بما يجب ، فقلت له : لي حاجة ، فقال : وما هي ؟ قلت : قد علمت ما جمعك مع أحمد بن كليب / من ذمام الطلب عندي . فقال : نعم ولكن قد تعلم أنه برح بي وشهر اسمي وآذاني ، فقلت له : كل ذلك يغتفر في مثل هذه الحال التي هو فيها والرجل يموت فتفضل بعيادته ، فقال لي : والله ما أقدر على ذلك فلا تكلفني هذا . فقلت له : لا بد من ذلك فليس عليك فيه شيء وإنما هي عيادة مريض . قال : ولم أزل به حتى أجاب ، فقلت له : فقم الآن . قال : لست والله أفعل ولكن غدا . فقلت له : ولا خلف ؟ قال : نعم ، فانصرفت إلى أحمد بن كليب فأخبرته بوعده بعد تأبيه فسر بذلك فارتاحت نفسه ، فلما كان من الغد بكرت إلى أسلم وقلت له : الوعد . فوجم ، وقال : والله لقد تحملني على خطة صعبة عليّ ، وما أدري كيف أطيق ذلك ؟ . قال : فقلت له : لا بد أن تفي بوعدك [ لي ] [ 1 ] قال : فأخذ رداءه ونهض معي راجلا ، فلما أتينا منزل أحمد بن كليب وكان يسكن في درب طويل وتوسط الزقاق وقف واحمر وخجل ، وقال لي : يا سيدي الساعة والله أموت وما أستطيع أن أنقل قدمي ولا أستطيع أن أعرض هذا على نفسي . فقلت : لا تفعل بعد أن بلغت المنزل تنصرف ، قال : لا سبيل والله إلى ذلك البتة ، قال : ورجع هاربا فاتبعته وأخذت بردائه فتمادى وتمزق الرداء

--> [ 1 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل .