ابن الجوزي
154
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
أخبرنا شيخنا محمد بن ناصر الحافظ ، قال : أخبرنا أبو الغنائم محمد بن علي بن ميمون النرسي ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الرحمن العلويّ ، قال : في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة كسر الحجر الأسود / لما صليت الجمعة يوم النفر الأول ، ولم يكن رجع الناس بعد من منى ، قام رجل ممن ورد من ناحية مصر بإحدى يديه سيف مسلول ، وبالأخرى دبوس بعد ما قضى الإمام الصلاة ، فقصد ذلك الرجل ليستلمه [ 1 ] على الرسم ، فضرب وجه الحجر ثلاث ضربات متوالية بالدبوس ، وقال : إلى متى يعبد الحجر ولا محمد ولا علي يمنعني عما أفعله ، فإنّي أهدم هذا البيت وارفعه فاتقاه أكثر الحاضرين وتراجعوا عنه ، وكاد يفلت ، وكان رجلا تام القامة ، أحمر اللون ، أشقر الشعر ، سمين الجسم ، وكان على باب المسجد عشرة من الفرسان على أن ينصروه ، فاحتسب رجل من أهل اليمن أو من أهل مكة أو من غيرها فوجأه بخنجر ، واحتوشه الناس فقتلوه وقطعوه وأحرقوه بالنار ، وقتل من اتهم بمصاحبته ومعونته على ذلك المنكر جماعة ، وأحرقوا بالنار وثارت الفتنة ، وكان الظاهر من القتلى أكثر من عشرين نفسا غير ما اختفى منهم ، وألحوا في ذلك اليوم على المغاربة والمصريين بالنهب والسلب وعلى غيرهم في طريق منى إلى البلد . وفي يوم النفر الثاني اضطرب الناس وماجوا ، وقالوا انه قد آخذ في أصحاب الخبيث لعنه الله أربعة أنفس اعترفوا بأنهم مائة بايعوا على ذلك ، وضربت أعناق هؤلاء الأربعة وتقشر بعض وجه الحجر في وسطه من تلك الضربات وتخشن ، وزعم بعض الحاج أنه سقط من الحجر ثلاث قطع واحدة فوق أخرى ، فكأنه يثقب ثلاث ثقب ما يدخل الأنملة في كل ثقبة ، وتساقطت منه شظايا مثل الأظفار ، وطارت منه شقوق يمينا وشمالا ، وخرج مكسره احمر [ 2 ] يضرب إلى الصفرة محببا مثل الخشخاش ، فأقام الحجر على ذلك يومين ، ثم أن بني شيبة جمعوا ما وجدوه مما سقط منه ، وعجنوه بالمسك واللك [ 3 ] ، وحشوا تلك المواضع / وطلوها بطلاء من ذلك ، فهو بين لمن تأمله ، وهو على حاله اليوم .
--> [ 1 ] في ص : « ذلك الحجر ليستلمه » . [ 2 ] في الأصل : « وخرج مكسره أسمر » . [ 3 ] « واللك » : ساقطة من ص .