ابن الجوزي
324
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
وقال عبيد الله بن سليمان : كنت يوما بحضرة المعتضد وخادم من خدمه بيده المذبة ، فبينا هو يذب إذ ضرب بالمذبة قلنسوة المعتضد ، فسقطت فكدت أختلط إعظاما للحال ، والمعتضد على حاله لم يتغير ولم ينكر شيئا ، ثم دعا غلاما فقال له : هذا الغلام قد نعس فزد في عدد خدم المذبّة ولا تنكر عليه بفعله ، قال عبيد الله : فقبّلت الأرض ، وقلت : والله يا أمير المؤمنين ما سمعت بمثل هذا ، ولا ظننت أن حلما يسع مثله . ثم دعوت له . فقال : هل يجوز غير هذا ؟ أنا أعلم أن هذا البائس [ 1 ] لو دار في خلده ما جرى لذهب عقله وتلف ، وإنما ينبغي أن يلحق الإنكار بالمتعمد لا بالساهي والغالط . وذكر محمد بن عبد الملك الهمذاني / أن المعتضد أراد تجهيز جيش ، فعجز عن ذلك بيت مال العامة ، فأخبر بمجوسي له مال عظيم [ 2 ] ، فاستدعاه يستقرض منه ، وقال : إنا نعيد العوض ، فقال : مالي بين يدي أمير المؤمنين ، فليأخذ ما يشاء . فقال : من أين وقعت بنا أننا نرد [ العوض ؟ ] [ 3 ] فقال : يا أمير المؤمنين ، يأتمنك الله تعالى على عباده وبلاده فتؤدي الأمانة ، وتفيض العدل ، وتحكم بالحق ، وأخافك على جزء من مالي ؟ فدمعت عيناه ، فقال : انصرف قد وفر الله عز وجل مالك وأغنانا عن القرض منك ، ومتى كانت لك حاجة فحجابنا مرفوع عنك ، ولم يستقرض منه شيئا . فلما ولي المعتضد لم يكن في بيت المال إلا قراريط والحضرة مضطربة والأعراب عابثون [ 4 ] فأصلح الأمور ، وحمى البيضة ، وبالغ في العمارة ، وأنصف في المعاملة ، واقتصد في النفقة ، فمات وفي بيت المال بضعة عشر ألف ألف دينار . وخرج يوما فعسكر بباب الشماسية ، ونهى [ أحدا ] [ 5 ] أن يأخذ من بستان أحد شيئا ، فأتى بأسود قد أخذ عذقا من بسر ، فتأمله فأمر بضرب عنقه ، ثم التفت إلى أصحابه فقال : ويلكم تدرون ما تقول العامة ؟ قالوا : لا ! قال : يقولون ما في الدنيا أقسى قلبا
--> [ 1 ] في ك : « الناعس » . [ 2 ] في الأصل : « له حال عظيمة » . [ 3 ] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل . [ 4 ] في ك : « عائثة » . [ 5 ] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل .