ابن الجوزي
73
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
تجيء خلفي إلى الحلقة [ 1 ] فتأخذ بيدي ، وتذهب بي إلى القصّار ، وكان أبو حنيفة يعنى بي ، لما يرى من حرصي على التعلم ، فلما كثر ذلك على أمي قالت لأبي حنيفة : ما لهذا الصبي فساد غيرك ، هذا صبي يتيم لا كسب [ 2 ] له ، وأنا / أطعمه من مغزلي ، وآمل انه يكسب دانقا يعود به على نفسه . فقال لها أبو حنيفة : مرّي يا رعناء ، ها هو ذا يتعلم أكل الفالوذج بدهن الفستق . فانصرفت وقالت له : أنت شيخ قد خرفت وذهب عقلك . ثم لزمته ، فنفعني الله بالعلم ، ورفعني حتى تقلَّدت القضاء ، وكنت أجالس الرشيد ، وآكل معه على مائدته ، فلما كان في بعض الأيام قدّم إليّ هارون فالوذجة بدهن [ فقال لي هارون : يا يعقوب ، كل منه ، فليس كل يوم يعمل لنا مثله . فقلت : وما هذه يا أمير المؤمنين ؟ فقال : هذه فالوذجة بدهن ] [ 3 ] الفستق ، فضحكت . فقال لي : مم تضحك ؟ فقلت : خيرا ، أبقى الله أمير المؤمنين . فقال : لتخبرني . وألحّ عليّ ، فأخبرته بالقصة من أولها إلى آخرها ، فتعجب من ذلك ، وقال : لعمري إن العلم يرفع وينفع دنيا وآخرة . وترحّم على أبي حنيفة ، وقال : كان ينظر بعين عقله ما لا يرى بعين رأسه [ 4 ] . أخبرنا محمد بن أبي طاهر البزاز قال : أخبرنا علي بن المحسن التنوخي ، عن أبيه قال : حدّثني أبي قال : كان سبب اتصال يوسف بالرشيد أنه قدم بغداد بعد موت أبي حنيفة ، فحنث بعض القوّاد في يمين ، وطلب فقيها يستفتيه [ 5 ] فيها ، فجيء بأبي يوسف فأفتاه انه لم يحنث ، فوهب له دنانير ، وأخذ له دارا بالقرب منه ، واتصل به ، فدخل القائد يوما إلى الرشيد فوجده مغموما ، فسأله عن سبب غمّه ، فقال : شيء من أمر الدين قد أحزنني فاطلب لي فقيها أستفتيه فجاءه بأبي يوسف . قال أبو يوسف : فلما دخلت إلى ممرّ بين الدور رأيت فتى حسنا عليه أثر الملك / ، وهو في حجرة محبوس ، فأومأ إليّ بإصبعه مستغيثا ، فلم أفهم عنه إرادته ، فأدخلت إلى الرشيد ، فلما مثلت بين يديه سلَّمت ووقفت ، فقال لي : ما اسمك ؟ قلت : يعقوب ، أصلح الله أمير المؤمنين . قال : ما تقول
--> [ 1 ] إلى الحلقة » ساقطة من ت . [ 2 ] في ت : « لا شيء له » . [ 3 ] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل . [ 4 ] تاريخ بغداد 14 / 244 ، 245 . [ 5 ] في ت : « ليستفتيه » .