ابن الجوزي
46
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
ثم دخلت سنة ثمانين ومائة فمن الحوادث فيها : عود الفتنة بالشام ، فاقتتل أهلها ، وتفاقم الأمر ، فاغتم بذلك الرشيد [ 1 ] ، وعقد لجعفر بن يحيى على الشام ، وقال له : إما أن تخرج أنت أو أنا . فقال له جعفر : بل أقيك [ 2 ] بنفسي . فشخص [ 3 ] في جلة القوّاد والكراع والسلاح ، وأتاهم فأصلح بينهم ، وقتل المناصفية منهم ولم يدع بها رمحا ولا فرسا ، فعادوا إلى الأمن والطمأنينة ، وانطفأت / تلك الثائرة ، وولى جعفر بن يحيى صالح بن سليمان البلقاء وما يليها ، واستخلف على الشام عيسى بن العتكيّ ، وانصرف فازداد الرشيد له إكراما ، فلما قدم دخل على الرشيد فقبّل يديه ورجليه ، وقال : الحمد للَّه الَّذي آنس وحشتي وأنسأ في أجلي حتى أراني وجه سيدي وأكرمني بقربة ، وردني إلى خدمته ، فوالله إن كنت لأذكر غيبتي ، والمقادير التي أزعجتني ، فأعلم أنها كانت بمعاص لحقتني ، ولو طال مقامي لخفت أن يذهب عقلي إشفاقا على قربك وأسفا على فراقك [ 4 ] . وفي هذه السنة : كانت زلزلة بمصر ونواحيها ، وسقطت رأس منارة الإسكندرية فيها [ 5 ] .
--> [ 1 ] في ت : « الرشيد بذلك » . [ 2 ] في الأصل : « أفدك » . [ 3 ] في الأصل : « فشخصي » . والتصحيح من : ت . [ 4 ] تاريخ الطبري 8 / 263 ، 264 . والبداية والنهاية 10 / 175 . والكامل 5 / 310 . [ 5 ] تاريخ الطبري 8 / 266 . والكامل 5 / 311 . والبداية والنهاية 10 / 175 .