ابن الجوزي
129
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
أن أؤمنك وأحسن إليك . قال : كنت بحلوان في خان من خاناتها ، فإذا أنا بيحيى بن عبد الله في درّاعة صوف غليظة وكساء صوف [ 1 ] أخضر غليظ ، وإذا معه جماعة ينزلون إذا نزل ، ويرحلون إذا رحل ، ويكونون منه برصد ، يوهمون من رآهم أنهم لا يعرفونه وهم أعوانه ، ومع [ كلّ ] [ 2 ] واحد منهم منشور يأمن له إن عرض له . قال : تعرف يحيى بن عبد الله ؟ قال : أعرفه قديما ، وذلك الَّذي حقق معرفتي به بالأمس . قال : فصفه . قال : مربوع ، أسمر ، رقيق البشرة ، أجلح ، حسن العينين / ، عظيم البطن . قال : صدقت هو ذلك . قال : فما سمعته يقول ؟ قال : ما سمعته يقول شيئا غير أني رأيته يصلي ، ورأيت غلاما من غلمانه أعرفه قديما جالسا على باب بالخان ، فلما فرغ من صلاته أتاه بثوب غسيل ، فألقاه في عنقه ، ونزع الجبة الصوف ، فقال له : أحسن الله جزاءك ، وشكر سعيك ، فمن أنت ؟ قال : رجل من أبناء هذه الدولة ، وأصلي من مرو ، ومولدي مدينة السلام . قال : فمنزلك بها ؟ قال : نعم . فأطرق مليا ، ثم قال : كيف احتمالك لمكروه تمتحن به في طاعتي ؟ قال : أبلغ من ذلك حيث أحب أمير المؤمنين . قال : كن بمكانك حتى أرجع . فدخل حجرة كانت خلف ظهره ، فأخرج كيسا فيه ألفا دينار ، فقال : خذ هذه ودعني وما أدبّر فيك . فأخذها وضم عليها ثيابه ، ثم قال : يا غلام . فأجابه خاقان وحسين ، فقال : اصفعا [ 3 ] ابن اللخناء ، فصفعاه [ 4 ] نحوا من مائة صفعة ، ثم قال : أخرجاه [ 5 ] إلى من بقي في الدار [ 6 ] وعمامته في عنقه ، فقولا [ 7 ] : هذا جزاء من يسعى ببطانة أمير المؤمنين وأوليائه ! ففعلا [ 8 ] ذلك وتحدّثوا بخبره ، ولم يعلم بحال الرجل أحد [ 9 ] ، ولا بما ألقى إلى الرشيد حتى كان من أمر البرامكة ما كان [ 10 ] .
--> [ 1 ] « غليظة وكساء صوف » ساقطة من ت . [ 2 ] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل ، ت ، وأثبتناها من الطبري . [ 3 ] في الأصل ، ت : « اصفعوا » . [ 4 ] في الأصل ، ت : فصفعوه » . [ 5 ] في الأصل ، ت : « أخرجوه » . [ 6 ] في الأصل ، ت : « من الدار » . [ 7 ] في الأصل ، ت : « فقولوا » . [ 8 ] في الأصل ، ت : « ففعلوا » . [ 9 ] في الأصل : « ولم يعلموا » . وفي ت : « ولم يعلم أحد بحال الرجل » . [ 10 ] تاريخ الطبري 8 / 289 - 291 .