ابن الجوزي

127

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

وقال ثمامة بن أشرس : رفع محمد بن الليث رسالة إلى الرشيد يعظه فيها ويقول : إن يحيى بن خالد لا يغني عنك من الله شيئا ، وقد جعلته فيما بينك وبين الله ، فكيف أنت إذا وقفت بين يدي الله فسألك عما عملت في عباده وبلاده ، فقلت : استكفيت يحيى أمور عبادك . أتراك تحتج بحجة يرضاها . مع كلام فيه توبيخ وتقريع ، فدعى الرشيد يحيى وقد تقدم إليه خبر الرسالة ، / فقال : تعرف محمد بن الليث ؟ قال : نعم . قال : فأي الرجال هو ؟ قال : متهم على الإسلام . فأمر به ، فوضع في الحبس دهرا ، فلما تنكّر الرشيد للبرامكة ذكره فأمر بإخراجه ، فأحضر فقال له بعد مخاطبة طويلة : يا محمد ، أتحبني ؟ قال : لا والله يا أمير المؤمنين . قال : تقول هذا ! ؟ قال : نعم ، وضعت رجلي في الأكبال ، وحلت بيني وبين العيال بلا ذنب أتيت ، ولا حدث أحدثت [ 1 ] ، سوى قول حاسد يكيد الإسلام وأهله ، ويحبّ الإلحاد وأهله ، فكيف أحبك ؟ قال : صدقت . وأمر بإطلاقه ، ثم قال : يا محمد ، أتحبني ؟ قال : لا والله يا أمير المؤمنين ، ولكن قد ذهب ما في قلبي . فأمر أن يعطى مائة ألف درهم ، فأحضرت فقال : يا محمد ، أتحبني ؟ قال : أما الآن فنعم ، قد أنعمت عليّ ، وأحسنت إليّ . قال : انتقم الله ممن ظلمك ، وأخذ لك بحقك ممن بعثني عليك . قال : فقال الناس في البرامكة ، فأكثروا ، وكان ذلك أوّل ما ظهر من تغير [ 2 ] حالهم [ 3 ] . وقال محمد بن الفضل مولى سليمان بن أبي جعفر : دخل يحيى بن خالد بعد ذلك إلى الرشيد [ 4 ] ، فقام الغلمان إليه فقال الرشيد لمسرور [ الخادم ] [ 5 ] : مر الغلمان أن لا يقوموا إليه إذا دخل . فدخل فلم يقم إليه أحد ، فاربدّ لونه ، وكان الغلمان والحجاب بعد ذلك إذا رأوه أعرضوا عنه ، فكان ربما استسقى الشربة فلا يسقونه [ 6 ] . / وقال أبو محمد اليزيدي : من قال إن الرشيد قتل جعفر بن يحيى بغير سبب

--> [ 1 ] « أتيت ولا حدث أحدثت » ساقطة من ت . [ 2 ] في الأصل : « تغيير » . [ 3 ] تاريخ الطبري 8 / 288 . [ 4 ] في ت : « على الرشيد » . [ 5 ] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل . [ 6 ] تاريخ الطبري 8 / 294 .