ابن الجوزي
69
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
السودان في بوق لهم ، فكان كل أسود يسمعه فيؤم الصوت [ 1 ] ، وذلك في يوم الجمعة لسبع بقين من ذي الحجة ، وعدوا على ابن الربيع والناس في الجمعة ، فأعجلوه عن الصلاة ، وخرج حتى أتى السوق ، فمرّ بمساكين خمسة وهم يسألون الناس ، فحمل عليهم بمن معه فقتلوهم ، وحمل عليه السودان ، فهرب ابن الربيع إلى البقيع فرهقوه [ 2 ] ، فنثر لهم دراهم فأشغلوا بها ، ومضى لوجهه حتى نزل بطن نخلة ، ووقع السودان في طعام لأبي جعفر من سويق ودقيق وزيت ، فانتهبوه . فخرج ابن أبي سبرة من السجن في حديدة ، فخطب الناس وصلى بهم ، ودعاهم إلى الطاعة ، وقال ابن أبي سبرة لجماعة من سادات العبيد : والله لئن ثبتت علينا هذه الثلاثة [ 3 ] عند أمير المؤمنين بعد الفعلة الأولى إنه لاصطلام البلد وأهله ، فاذهبوا إلى العبيد فكلموهم . فذهبوا إليهم فقالوا : مرحبا بكم يا موالينا ، والله ما قمنا إلا إبقاء لكم . وأقبلوا بهم إلى المسجد ، فردّوا ما انتهبوه ، فرجع ابن الربيع ، فقطع أيدي جماعة من السودان . وفيها : أسست مدينة بغداد : [ 4 ] وكان سبب ذلك : أن أبا جعفر بنى - حين أفضي الأمر إليه - الهاشمية قبالة مدينة ابن هبيرة إلى جنب الكوفة ، وبنى أبو جعفر أيضا مدينة بظهر الكوفة سمّاها : الرصافة . فلما ثارت الروندية بأبي جعفر في مدينته التي يقال لها : الهاشمية كره سكناها لاضطراب من اضطرب عليه من الروندية ، ولم يأمن على نفسه . فخرج يرتاد موضعا يتخذه مسكنا لنفسه وجنده ، ويبني به مدينة ، فانحدر إلى جرجرايا ، ثم صار إلى بغداد ، ثم مضى إلى الموصل ، ثم عاد إلى بغداد فقال : هذا موضع صالح ، وهذه دجلة ليس بيننا وبين 34 / أالصين شيء ، يأتينا فيها كل ما في البحر ، وتأتينا الميرة من الجزيرة وأرمينية وما حول ذلك ، وهذه الفرات يجيء فيها كل شيء بالشام والرّقة ، وضرب عسكره على الصراة ، وخط المدينة ، ووكل بكلّ ربع قائدا .
--> [ 1 ] في الطبري 7 / 610 : « يأتم الصوت » . [ 2 ] في الأصل : « فوهقوه » وما أثبتناه من ت . [ 3 ] في الأصل : « هذه الليلة » وما أثبتناه من ت . [ 4 ] انظر : تاريخ الطبري أحداث سنة 145 ه .