ابن الجوزي
66
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
حضرت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الوفاة ، فأمر غيره فصلى بالناس ، وكان في الستّة فدفعوه ، وقتل عثمان وهو له متهم ، وقاتله طلحة والزبير ، ثم كان حسن فباعها من معاوية بخرق ودراهم ، فإن كان لكم فيها شيء فقد بعتموه وأخذتم ثمنه ، ثم خرجتم على بني أمية فقتلوكم وصلبوكم ونفوكم ، فطلبنا بثأركم ، وأورثناكم أرضهم ، ولقد علمت أن مكرمتنا في الجاهلية سقاية الحاج وزمزم ، ولقد قحط أهل المدينة فلم يتوسل عمر إلا بأبينا . ولما ظهر محمد شخص إليه الحسن بن معاوية فرده إلى مكة ، فغلب عليها ودخل مكة فخطب بالناس ونعى إليهم أبا جعفر ، ودعا لمحمد بن عبد الله فدعا أبو جعفر جعفر بن حنظلة النهراني ، وكان أعلم الناس بالحرب ، وقد شهد مع مروان حروبه ، فقال له : يا جعفر ، قد ظهر محمد ، فما عندك ؟ فقال : وأين ظهر ؟ قال : بالمدينة . قال : فاحمد الله ، ظهر حيث لا مال ولا سلاح ولا كراع ، ابعث مولى لك تثق به الآن ينزل 32 / أبوادي / القرى ، فيمنعه ميرة الشام ، فيموت مكانه جوعا . ففعل وندب أبو جعفر عيسى بن موسى لقتال محمد وقال : لا أبالي أيهما قتل صاحبه وضم إليه أربعة آلاف من الجند ، وبعث معه محمد بن أبي العباس أمير المؤمنين ، وقدم كثير بن أبي حصين العبديّ فعسكر بفيد ، وخندق عليه خندقا حتى قدم عليه عيسى بن موسى ، فخرج به إلى المدينة ، وقال أبو جعفر لعيسى حين ودّعه : يا عيسى ، إني أبعثك إلى ما بين هذين - وأشار إلى جنبيه - فإن ظفرت بالرجل فشم سيفك وابذل الأمان ، وإن تغيب فضمنهم إياه حتى يأتوك به ، فإنّهم يعرفون مذهبه . ففعل ذلك . ولما وصل عيسى إلى فيد كتب إلى رجال من أهل المدينة ، فتفرقوا عن محمد وخرجوا إلى عيسى ، وقد كان مع محمد نحو من مائة ألف ، فلما دنا عيسى إلى المدينة قال محمد لأصحابه : أشيروا عليّ في الخروج والمقام . فاختلفوا ، فقال بعضهم : إنك بأقل بلاد الله فرسا وطعاما ، وأضعفها رجلا وسلاحا ، والرأي بأن تسير بمن معك حتى تأتي مصر ، فوالله لا يردك راد ، فتقابل الرجل بمثل سلاحه ورجاله . وقال بعضهم : أعوذ باللَّه أن تخرج من المدينة ، فإن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال : « رأيتني في درع حصينة فأولتها المدينة » فحفر خندق رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الَّذي حفره يوم الأحزاب ، وخطب الناس وقال : « إن هذا الرجل قرب منكم في عدد وعدّة ، وقد أحللتكم من بيعتي ، فمن أحب فليقم ، ومن أحب فلينصرف . فتسللوا وخرج قوم منهم إلى الجبال حتى بقي في شرذمة ، حتى قال بعضهم : نحن اليوم في عدة أصحاب بدر ثلاثمائة وثلاثة