ابن الجوزي

34

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

دينار . ثم قال : خذها يا أبا حازم . قال : لا حاجة لي فيها ، إني أخاف أن يكون لما سمعت من كلامي . وكان سليمان أعجب بأبي حازم فقال الزهري : إنه لجاري منذ ثلاثين سنة ما كلمته قط . فقال أبو حازم : إنك نسيت الله فنسيتني ، ولو أحببت الله لأحببتني . قال الزهري : أتشتمني ؟ قال سليمان : بل أنت شتمت نفسك ، أما علمت أن للجار على جاره حقا ؟ فقال أبو حازم : إن بني إسرائيل لما كانوا على الصواب كانت الأمراء تحتاج إلى العلماء ، وكانت العلماء تفرّ بدينها من الأمراء ، فلما رأى ذلك قوم من أذلة الناس تعلموا ذلك العلم وأتوا به إلى الأمراء ، فاستغنت به عن الزّهّاد ، واجتمع القوم على المعصية [ 1 ] ، فسقطوا وانتكسوا ، ولو كان علماؤنا يصونون علمهم لم تزل الأمراء تهابهم . قال الزهري : كأنك إياي تريد ، وبي تعرّض . قال : هو ما تسمع . أخبرنا ظفر بن علي بن العباس المهراني قال : أخبرنا أبو الحسن فيد بن عبد الرحمن بن شادي قال : أخبرنا أبو الحسن علي بن سعيد قال : أخبرنا أبو زرعة أحمد بن الحسين الرازيّ قال : أخبرنا العباس بن عبد الله المزني قال : حدّثنا المبرد ، عن الرياشي ، عن الأصمعي قال : دخل أبو حازم الطواف ، فإذا هو بامرأة سافرة عن وجهها تطوف ، وقد فتنت الناس بحسن وجهها فقال : يا هذه ، ألا تخمرين وجهك ؟ فقالت : يا أبا حازم ، إنا من اللواتي يقول فيهن الشاعر : 16 / ب / أماطت قناع الخز عن حر وجهها وأبدت من الخدين بردا مهلهلا من اللائي لم يحججن تبغين ريبة [ 2 ] ولكن ليقتلن البريء المغفلا وترمي بعينيها القلوب إذا بدت لها نظر لم يخط للحيّ مقتلا فأقبل أبو حازم على أهل الطواف فقال : يا أهل بيت الله ، تعالوا ندع الله أن لا يعذب هذا الوجه بالنار ، فذكر ذلك لسعيد بن المسيب ، فقال : لو كان من بعض أهل العراق لقال : يا عدوة الله ، ولكن ظرف أهل الحجاز .

--> [ 1 ] في الأصل : « على العصبية » وما أثبتناه من ت . [ 2 ] في ت : « تبغين حسبه » وما أثبتناه من الأصل .