ابن الجوزي
260
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
الصندلي [ 1 ] قال : حدّثنا أبو حفص عمر بن ياسر العطار ، عن بشر بن الحارث قال : كان أبو جعفر الرازيّ صديقا لسفيان الثوري ، وكانت له معه بضاعة ، وكان يكثر الحج ، فكان إذا قدم الكوفة تلقاه سفيان من القنطرة ، فإذا خرج إلى مكة شيّعه إلى النجف ، فقدم سنة من السنين مدينة السلام ، فاجتمع إليه الأضراء . فقالوا : يا أبا جعفر ، تكلم لنا أمير المؤمنين فإنه قد ولى علينا رجلا يقطع أرزاقنا ، ويسئ فيما بيننا وبينه ، فلم يجبهم إلى شيء فبلغ ذلك سفيان ، فتلقاه على القنطرة وشيّعه حتى جاوز النجف ، وزاده في البر ، فلما كان العام المقبل قدم أبو جعفر وهو يريد الحج ، فاجتمع إليه الأضراء وكلموه بما كلموه به في العام الماضي ، فرقّ لهم ، فأتى باب الذهب فقال للحاجب استأذن لي على أمير المؤمنين فأخبره أن بالباب أبا جعفر الرازيّ ، فأسرع الرسول أن أدخل ، فدخل على المنصور ، فأكرمه بغاية الكرامة ، وجعل يسأله عن أحواله ويسأله هل له حاجة ، فقال : نعم ، فقص عليه قصة الأضراء ، فقال : يعزل عنهم كاتبهم ، وولي عليهم من أحبوا ، 117 / ب ونأمر لأبي جعفر بعشرة آلاف / [ درهم ] [ 2 ] لسؤاله إيانا هذه الحاجة ، فلما صارت الدراهم بيده سقط في يديه ، وعلم أنه قد أخطأ ، فجلس بسور القصر ، ثم دعا بخرق وجعلها صررا ، وفرقها على قوم ، فنفض ثوبه وليس معه منها شيء ، فبلغ ذلك سفيان الثوري ، فلما دخل أبو جعفر الرازيّ الكوفة توارى سفيان فطلبه ، فلم يقدر عليه ، وسأل عنه ، فلم يدل عليه فانتقض عليه [ 3 ] لذلك بعض إخوان سفيان فقال له : ألك إليه حاجة ؟ فقال : نعم ، فقال : اكتب كتابا وادفعه إليّ أوصله لك إليه ، فكتب كتابا ودفعه إليه . قال : فصرت بالكتاب إلى سفيان ، فإذا أنا به في غرفة وإذا هو مستلق على قفاه مستقبل القبلة ، فسلمت عليه ، وأظهرت الكتاب ، وقلت : كتاب أبي جعفر الرازيّ ، فقال : اقرأه ، فقرأته ، فقال لي : اكتب جوابه في ظهره . فكتبت : بسم الله الرحم الرحيم : وقلت : ما ذا أكتب ؟ قال : أكتب * ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا من بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ 5 : 78 ) * [ 4 ] إلى آخر الآية . . ، أردد إلينا بضاعتنا لا حاجة لنا في أرباحها . قال : فأتيته بالكتاب والناس إذ ذاك متوافرون بالكوفة ، فنظر في الكتاب ، فأجمع رأيهم على أنهم يوجهون بكتابين إلى ابن أبي ليلى ، ولا يعلمونه ممن الكتاب ولا من صاحب الجواب ليعرفوا ما عنده من الرأي ، فوجهوا بالكتابين ، فنظر فيهما ، فقال :
--> [ 1 ] في ت : « الصيدلي » . [ 2 ] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل . [ 3 ] « عليه » ساقط من ت . [ 4 ] سورة : المائدة الآية : 78 .