ابن الجوزي
216
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
وطوفت فلما صرت في شارع دار الأنبار انتهيت إلى باب دار نظيف وعليه شجرة وعلى الباب خادم ، فوقفت وقد عطشت ، فقلت للخادم : عندك ماء تسقيني ؟ فقال : نعم . وقام فأخرج قلة نظيفة طيبة الرائحة عليها منديل ، فناولني فشربت ، وحضر وقت العصر ، فدخلت مسجدا على الباب ، فصليت فلما قضيت صلاتي إذا أنا بأعمى يتلمس ، فقلت : ما تريد يا هذا ؟ قال : إياك أريد ، قلت : وما حاجتك ؟ فجاء حتى قعد فقال : شممت منك ريح الطيب فظننت أنك من أهل النعيم فأردت أن ألقي عليك شيئا ، فقلت : قل ، قال : أترى هذا القصر ؟ قلت : نعم ، قال : هذا قصر كان لأبي فباعه وخرج إلى خراسان وخرجت معه فزالت عنا النعم التي كنا فيها ، فقدمت فأتيت صاحب الدار لأسأله شيئا يصلني به وأصير إلى سوار فإنه كان صديقا لأبي ، قلت : ومن أبوك ؟ قال : فلان بن فلان ، فإذا هو أصدق الناس إليّ ، فقلت له : يا هذا ، فإن الله قد أتاك بسوّار ، منعه الطعام والنوم حتى جاء به فأقعده بين يديك ، ثم دعوت الوكيل فأخذت الدراهم منه فدفعتها إليه وقلت له : إذا كان الغد فصر إلى المنزل . ثم مضيت فقلت : ما أحدث أمير 98 / ب المؤمنين بشيء أطرف من هذا . فأتيته فاستأذنت عليه فأذن لي ، فدخلت وحدثته / بالحديث ، فأمر لي بألفي دينار فنهضت ، فقال : اجلس ، عليك دين ؟ قلت : نعم ، قال : كم ؟ قلت : خمسون ألف دينار ، فأمسك وجعل يحدّثني ساعة ، ثمّ قال : امض إلى منزلك ، فصرت إلى منزلي ، فإذا خادم معه خمسون ألف دينار قال : يقول لك أمير المؤمنين اقض بها دينك ، فقبضتها ، فلما كان من الغد فأبطأ عليّ المكفوف ، وأتاني رسول المهدي يدعوني ، فجئته فقال : فكرت في أمرك فقلت : يقضي دينه ويحتاج إلى الحيلة والقرض وقد أمرت لك بخمسين ألف دينار ، فقبضتها وانصرفت . فأتاني المكفوف فدفعت إليه الألفي دينار وقلت : قد رزق الله كلا بكرمه خيرا كثيرا ، وأعطيته من مالي ألفي دينار . أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز ، قال : أخبرنا أحمد بن علي [ بن ثابت ] [ 1 ] ، قال : أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن جعفر الخالع [ 2 ] فيما أذن له أن نرويه عنه ، قال : أخبرنا علي بن محمد بن السري ، قال : أخبرنا أبو بكر محمد بن خلف ، قال : أخبرنا إسحاق بن محمد بن إسحاق ، قال [ 3 ] :
--> [ 1 ] ما بين المعقوفتين : من ت . [ 2 ] في الأصول : « الخالقي » ، وما أوردناه من تاريخ بغداد . [ 3 ] الخبر في تاريخ بغداد 1 / 91 ، 92 .