ابن الجوزي

121

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

حتى عمي ، وكان يتمناك على الله ويقول : حضرت مجلس أبي عامر البناني ، فأحيا موات قلبي ، وطرد وسن نومي ، فإن سمعته ثانية قتلني ، فجزاك الله من واعظ خيرا ، ومتعك من كلمك بما أعطاك ، ثم أكبت على أبيها تقبل عينيه وهي تبكي وتقول : يا أبي ، يا أبتاه ، يا من أعماه البكاء ، يا أبي ، يا أبتاه ، يا من قتله ذكر وعيد ربه ثم علا البكاء والنحيب والاستغفار والدعاء ، وجعلت تقول : يا أبي ، يا أبتاه ، يا حليف الحرقة والبكاء . يا أبي يا أبتاه ، يا جليس الابتهال والدعاء ، يا أبي ، يا أبتاه ، يا صريخ المذكرين والخطباء ، يا أبي يا أبتاه ، يا قتيل الوعاظ والحكماء . قال أبو عامر : فأجبتها : أيتها الباكية الجرباء ، والنادبة الثكلى ، إن أباك نحبه قد قضي ، وورد دار الجزاء ، وعاين كل ما عمل ، وعليه يحصى في كتاب عند ربي ، لا ينسى لمحسن فله الزلفى ، أو مسيء فوارد دار من أساء . فصاحت الجارية كصيحة أبيها ، ثم جعلت ترشح عرقا ، وخرجت مبادرا إلى مسجد المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم ، وفرغت إلى الصلاة والدعاء والاستغفار والتضرع والبكاء حتى إذا كان عند صلاة العصر ، فجاءني الغلام الأسود فأذنني بجنازتيهما وقال : احضر الصلاة عليهما ودفنتهما . وسألت عنهما فقيل لي من ولد الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم . قال أبو عامر : فما زلت جزعا حذرا مما جنيت ، حتى رأيتهما في المنام عليهما حلتان خضراوتان ، فقلت : مرحبا بكما وأهلا ، فما زلت حذرا بما ووعظتكما به ، ما ذا / 58 / ب صنع الله بكما ؟ فقال الشيخ : أنت شريكي في الَّذي نلته مستأهلا ذاك يا أبا عامر وكل من أيقظ ذا غفلة فنصف ما يعطاه للآمر من ردّ عبدا آبقا مذنبا كان كمن قد راقب القاهر واجتمعا في دار عدل وفي جوار رب سيد غافر