ابن الجوزي

72

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

بكت فاطمة بنت عبد الملك حتى عشي بصرها ، فدخل عليها أخواها مسلمة وهشام ، فقالا : ما هذا الأمر الَّذي دمت عليه ؟ أجزعك على بعلك فأحق من جزع على مثله ، أم على شيء فاتك من الدنيا فها نحن بين يديك وأموالنا وأهلونا ، فقالت : ما من كل جزعت ، ولا على واحد منهما أسفت ، ولكني والله رأيت منه ليلة منظرا ، فعلمت أن الَّذي أخرجه إلى الَّذي رأيت منه ، رأيت منه هولا عظيما قد أسكن في قلبه معرفته ، قالا : وما رأيت منه ؟ قالت : رأيته ذات ليلة قائما يصلي ، فأتى على هذه الآية : * ( ( يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ) 101 : 4 - 5 ) * [ 1 ] . فصاح : وا سوء صباحاه ، ثم [ وثب ] فسقط ، فجعل يخور حتى ظننت أن نفسه ستخرج ، ثم هدأ فظننت أنه قد قضى ، ثم أفاق إفاقة فنادى : وا سوء صباحاه ، ثم وثب وجعل يجول في الدار ويقول : ويلي من يوم يكون الناس فيه كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش . 560 - غيلان بن عقبة بن بهيس بن مسعود بن حارثة بن عمرو بن ربيعة بن ساعدة بن كعب بن عوف ، من بني صعب بن ملكان بن عدي ، ويقال لغيلان : ذو الرمة ، ويكنى أبا الحارث [ 2 ] : سمع بشعره الفرزدق فقال : ما أحسن ما تقول ، فقال : فما لي لا أذكر في الفحول ؟ قال : بصونك عن غاياتهم بكاؤك في الدين ، وصفتك الإبصار والفطن [ 3 ] . وكان يتشبب بميّ [ 4 ] بنت طلحة بن عاصم المنقري ، وكانت تسمع شعره ولا تراه ، فجعلت للَّه أن تنحر بدنة إذا رأته ، فلما رأته رأت رجلا أسود دميما ، فقالت : وا سوءتاه ، كأنها لم ترضه . قال أبو سوار الغنوي : رأيت ميّا ، وكانت مسنونة الوجه ، طويلة الخدين ، شماء الأنف ، عليها وسم جمال .

--> [ 1 ] سورة : القارعة ، الآية : 4 ، 5 . [ 2 ] على هامش الأصل : ذو الرمة الشاعر » . وانظر ترجمته في : الأغاني 18 / 5 ، ووفيات الأعيان 1 / 404 ، وخزانة الأدب للبغدادي 1 / 51 . [ 3 ] الخبر في الأغاني 18 / 20 ، وفيه : « يمنعك من ذلك ويباعدك ذكرك الأبعار وبكاؤك الديار » . [ 4 ] في الأصل : « يتشبث » . والتصحيح من ت والأغاني .