ابن الجوزي
314
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
وخرج ابن هبيرة للقتال واقتتلوا ثم تحاجزوا ثم اقتتلوا بعد أيام ، فهزم أهل الشام هزيمة قبيحة ، فدخلوا المدينة فمكثوا ما شاء الله لا يقتتلون إلا رميا من وراء الفصيل ، ومكثوا على القتال أحد عشر شهرا ، فلما طال عليهم وجاءهم قتل مروان طلبوا الصلح . وكان أصحاب ابن هبيرة قد تقاعدوا به حتى هم أن يدعو إلى محمد بن عبد الله بن الحسن ، وكتب إليه فأبطأ جوابه ، وجرت السفراء بين أبي جعفر وبين ابن هبيرة حتى جعل له أمانا ، وكتب بذلك ابن هبيرة كتابا مكث يشاور فيه العلماء أربعين يوما حتى رضيه ابن هبيرة ، ثم أرسله إلى أبي جعفر فأنفذه أبو جعفر إلى أبي العباس فأمره بإمضائه ، وكان رأي أبي جعفر الوفاء له بما أعطاه . وكان أبو العباس لا يقطع أمرا دون أبي مسلم ، وكان أبو الجهم عينا لأبي مسلم على أبي العباس [ 1 ] ، يكتب إليه بأخباره كلها ، فكتب أبو مسلم إلى أبي العباس : إن الطريق السهل إذا ألقيت فيه الحجارة فسد ، ولا والله لا يصلح [ 2 ] طريق فيه ابن هبيرة . ولما تم الكتاب الَّذي كتبه ابن هبيرة لنفسه خرج ابن هبيرة إلى أبي جعفر في ألف وثلاثمائة ، فأراد أن يدخل الحجرة على دابته ، فقام إليه الحاجب سلام بن سليم ، فقال : مرحبا بك أبا خالد ، انزل راشدا ، وقد طاف بالحجرة نحو من عشرة آلاف من أهل خراسان ، فنزل ، ودعا له بوسادة فجلس عليها ، ثم دعا بالقواد فدخلوا ثم قال سلام : ادخل أبا خالد ، فقال : أنا ومن معي ؟ فقال : إنما استأذنت لك وحدك ، فقام فدخل فحادثه ساعة ثم قام وأتبعه أبو جعفر بصره حتى غاب عنه ، ثم مكث يقيم عنه يوما ويأتيه يوما في خمسمائة فارس وثلاثمائة راجل ، فقال يزيد بن حاتم لأبي جعفر : أيها الأمير ، إن ابن هبيرة ليأتي فيتضعضع له العسكر ، وما نقص من سلطانه شيء ، فقال أبو جعفر لسلام : قل لابن هبيرة يدع الجماعة ويأتينا في حاشيته ، قال : فلما سمع ذلك تغير وجهه وجاء في حاشيته نحو من ثلاثين ، ثم كان بعد ذلك يأتي في ثلاثة ، ثم ألح أبو العباس
--> [ 1 ] في الأصل : « وكان أبو الجهم لأبي مسلم من يعرف بأبي الجهم عينا على أبي العباس » . وما أوردناه من ت والطبري . [ 2 ] في الأصل : « صلح » . وما أوردناه من ت والطبري .