ابن الجوزي

309

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

أحب إلي من الحياة . فهم أبو جعفر بإطلاقه ، فقال له إسماعيل بن علي : في عنقي بيعة له ، قال : فما ذا ترى ؟ قال : يترك في دار من دورنا ويجري عليه ما يجري على مثله ، قال : ففعل ذلك به ، فوالله ما أدري أمات في حبسه أم أطلقه المهدي . وروى الحسن بن جعفر عن أبيه ، قال : لما أفضت الخلافة إلى بني العباس اختفى رجال من بني أمية ، وكان فيمن اختفى إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك ، حتى أخذ له داود بن علي بن عبد الله أمانا من أبي العباس ، فقال له أبو العباس يوما : حدثني عما مر بك في اختفائك فقال : كنت يا أمير المؤمنين مختفيا بالحيرة في منزل شارع على الصحراء [ 1 ] . فبينا أنا ذات يوم على ظهر بيت نظرت إلى أعلام سود قد خرجت من الكوفة تريد الحيرة ، فوقع في روعي أنها تريدني ، فخرجت من الدار متنكرا حتى دخلت الكوفة ولا أعرف بها أحدا أختفي عنده ، فدخلت متلددا ، فإذا أنا بباب كبير ورحبة واسعة ، فدخلت الرحبة ، فجلست فيها ، فإذا رجل وسيم حسن الهيئة على فرس قد دخل الرحبة مع جماعة من غلمانه وأتباعه ، فقال : من أنت وما حاجتك ؟ فقلت : رجل مختف يخاف على دمه واستجار بمنزلك ، قال : فأدخلني منزله ثم سيرني في حجرة تلي حرمه ، فمكثت عنده حولا في كل ما أحب من مطعم ومشرب وملبس ، لا يسألني عن شيء من حالي ، ويركب في كل يوم ركبة ، فقلت له يوما : أراك تدمن الركوب ، ففيم ذاك ؟ قال : إن إبراهيم بن سليمان قتل أبي صبرا ، وقد بلغني أنه مختف ، فأنا أطلبه لأدرك ثأري فكثر تعجبي من إدبارنا إذ ساقني القدر إلى الاختفاء في منزل من يطلب دمي وكرهت الحياة ، وسألت الرجل عن اسمه واسم أبيه ، فأخبرني بهما ، فعلمت أني قتلت أباه ، فقلت : يا هذا ، قد وجب عليّ حقك ، ومن حقك أن أقرب عليك الخطوة ، قال : وما ذاك ؟ فقلت : أنا إبراهيم بن سليمان قاتل أبيك فخذ بثأرك ، فقال : أحسب أنك رجل قد مضّه الاختفاء فأحب الموت ، فقلت : بل الحق ، قلت : قتلته يوم كذا وكذا بسبب كذا وكذا ، فلما عرف أني صادق تربد وجهه واحمرت عيناه ، وأطرق مليّا ثم قال : أما أنت فستلقى أبي فيأخذ حقه منك ، وأما أنا فغير مخفر ذمتي فأخرج عني فلست آمن نفسي عليك ، وأعطاني ألف دينار ، فلم أقبلها وخرجت من عنده ، فهذا أكرم رجل رأيته .

--> [ 1 ] في الأصل : « على شارع الصحراء » . وما أوردناه من ت .